تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
فإن قيل : كيف يصحّ هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ؟ . فالجواب : أنّ الدّليل الذي ذكرناه ، لا يوجب أن يكون الرّسول حاضرا مع القوم ؛ لأنّ تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولا إليهم ، كما لا يمنع تقدّم رسولنا ، من كونه مبعوثا إلينا إلى آخر الأبد . وفي الكلام إضمار تقديره : فإذا جاء رسولهم وبلّغ ، وكذّبه قوم وصدقه آخرون ، قضي بينهم ، أي : حكم وفصل . والمراد من الآية : إمّا بيان : أنّ الرسول إذا بعث إلى كلّ أمّة ، فإنّه بالتبليغ ، وإقامة الحجّة يزيح عللهم ، ولم يبق لهم عذر ؛ فيكون ما يعذّبون به في الآخرة عدلا لا ظلما ، ويدلّ عليه قوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ، وقوله :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] . وإمّا أن يكون المراد : أنّ القوم إذا اجتمعوا في الآخرة ، جمع اللّه بينهم وبين رسلهم وقت المحاسبة ، وبيان الفصل بين المطيع والعاصي ؛ ليشهد عليهم بما شاهد منهم ؛ وليقع منهم الاعتراف بأنّه بلغ رسالات ربّه ، ويدل عليه قوله - تعالى - :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 165 ] . قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ
الآية . هذه شبهة خامسة من شبهات منكري النبوة ؛ فإنّه - عليه الصلاة والسّلام - كلّما هدّدهم بنزول العذاب ، ومرّ زمان ولم يظهر ذلك العذاب ، قالوا : متى هذا الوعد ، فاحتجّوا بعدم ظهوره ، على القدح في نبوته ، واعلم : أنّهم قالوا ذلك على وجه التّكذيب للرّسول - عليه الصلاة والسّلام - لمّا أخبرهم بنزول العذاب على الأعداء ، وينصرة الأولياء - أو على وجه الاستبعاد ، وتدلّ الآية على أنّ كلّ أمّة قالت لرسولها مثل ذلك القول ؛ بدليل قوله - تعالى - :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
لأنّه جمع ، وهو موافق لقوله :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ .
ثم إنّه - تعالى - أمره بأن يجيب عن هذه الشّبهة بجواب يحسم المادّة ، وهو قوله :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
والمعنى : أنّ إنزال العذاب على الأعداء ، وإظهار النّصرة للأولياء لا يقدر عليه إلّا اللّه - سبحانه - ، وأنّه - تعالى - ما عيّن لذلك وقتا معينا ، بل تعيين الوقت مفوّض إلى اللّه - سبحانه - بحسب مشيئته . قوله :
« إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ »
فيه وجهان : أحدهما : أنّه استثناء متّصل ، تقديره : إلّا ما شاء اللّه أن أملكه ، وأقدر عليه . والثاني : أنّه منقطع ، قال الزمخشري : « هو استثناء منقطع ، أي : ولكن ما شاء اللّه