تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
أي : ميّزنا وفرّقنا بينهم ، وجاءت هذه الكلمة على لفظ الماضي ، بعد قوله :
« ثُمَّ نَقُولُ »
وهو مستقبل ؛ لأنّ ما جاءكم اللّه به ، سيكون صار كالكائن الآن ، كقوله :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 44 ] . وأضاف الشّركاء إليهم ؛ لأنّهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم . وقيل : لأنّ الإضافة يكفي فيها أدنى تعليق ، فلمّا كان الكفّار هم الذين أثبتوا هذه الشّركة ، حسنت إضافة الشركاء إليهم ، وقيل : لمّا خاطب العابدين والمعبودين بقوله « مكانكم » صاروا شركاء في هذا الخطاب . قال بعض المفسّرين : المراد بهؤلاء الشّركاء : الملائكة ، واستشهدوا بقوله - تعالى - :
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ
[ سبأ : 40 ] ، وقيل : هم الأصنام ، ثم اختلف هؤلاء كيف ذكرت الأصنام هذا الكلام ؟ فقيل : إن اللّه - تعالى - يخلق فيها الحياة والعقل والنّطق ، وقيل : يخلق فيهم الرّوح من غير حياة ، حتّى يسمعوا منهم ذلك . فإن قيل : إذا أحياهم اللّه هل يبقيهم أو يفنيهم ؟ . فالجواب : أنّ الكلّ محتمل ، ولا اعتراض على اللّه في أفعاله ، وأحوال القيامة غير معلومة ، إلّا القليل ، ولا شك أن هذا خطاب تهديد في حق العابدين ، فهل يكون تهديدا في حق المعبودين ؟ قالت المعتزلة : لا يجوز ذلك ؛ لأنّه لا ذنب للمعبود ، ومن لا ذنب له ، لم يصحّ تهديده ، وتخويفه ، وقال أهل السّنّة : لا يسأل عما يفعل . فإن قيل : قول الشركاء :
ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
وهم كانوا قد عبدوهم ، يكون كذبا ، وقد تقدّم في سورة الأنعام ، اختلاف الناس في أنّ أهل القيامة هل يكذبون أم لا ؟ . والجواب ههنا : أنّ منهم من قال : المراد من قولهم :
« ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ »
: هو أنّكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا ؛ لأنّهم استشهدوا باللّه في ذلك بقولهم :
« فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ » ،
وبقولهم :
« إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ » ،
ومن النّاس من أجرى الآية على ظاهرها ، وقالوا : إنّ الشّركاء أخبروا أنّ الكفار ما عبدوها لوجوه : الأول : أنّ ذلك الموقف موقف دهشة وحيرة ، فذلك الكذب جار مجرى كذب الصبيان ، والمجانين والمدهوشين . الثاني : أنّهم ما أقاموا لأعمال الكفّار وزنا ، وجعلوها لبطلانها كالعدم ، فلهذا قالوا : ما عبدونا . الثالث : أنهم تخيّلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة إنّما عبدوا ذواتا موصوفة بتلك الصفات ، ولمّا كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها ، وإنما عبدوا أمورا تخيّلوها ولا وجود لها في الأعيان ، وتلك الصّفات التي تخيّلوها في الأصنام : أنها تضرّ ، وتنفع ، وتشفع عند اللّه .