تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
قال ابن عطيّة « 1 » : فإذا كان نعتا - يعني : مظلما : نعتا لقطع - فكان حقه أن يكون قبل الجملة ، ولكن قد يجيء بعد هذا ، وتقدير الجملة : قطعا استقرّ مظلما ، على نحو قوله :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
[ الأنعام : 92 ] . قال أبو حيّان « 2 » : « ولا يتعيّن تقدير العامل في المجرور بالفعل ، فيكون جملة ، بل الظاهر تقديره باسم الفاعل ، فيكون من قبيل الوصف بالمفرد ، والتقدير : قطعا كائنا من اللّيل مظلما » . قال شهاب الدّين « 3 » : « المحذور تقديم غير الصّريح على الصّريح ، ولو كان مقدّرا بمفرد » ، و « قطعا » : منصوب ب « أغشيت » ، مفعولا ثانيا .

فصل [ في معنى الآية : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ . . .

] المعنى :
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ؛
لقوله :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
[ الأنعام : 160 ] . والفرق بين الحسنات والسيئات : أنّه إذا زاد في الحسنات يكون تفضّلا ، وذلك حسن ، وفيه ترغيب في الطّاعة ، وأمّا الزّيادة على قدر الاستحقاق على السيئات ، فهو ظلم ، واللّه منزه عنه ، ثم قال :
« وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ »
أي : هوان وتحقير
« ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ »
أي : ما لهم عاصم من اللّه في الدّنيا ، ولا في الآخرة ،
« كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ »
أي : ألبست وجوههم ،
« قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً »
والمراد : سواد الوجه . وقال حكماء الإسلام : المراد من هذا السّواد : سواد الجهل ، وظلمة الضّلالة ، فإنّ العلم طبعه طبع النّور ، والجهل طبعه طبع الظّلمة . قيل : المراد بقوله :
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ
: الكفار ؛ لأن سواد الوجه من علامات الكفر ، قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
[ آل عمران : 106 ] وقال :
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
[ عبس : 40 - 42 ] . وقال القاضي :
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ
عامّ يتناول الكافر ، والفاسق ، وأجيب : بأن الصيغة وإن كانت عامّة ، إلّا أن الدلائل التي ذكرناها مخصّصة ، ثم قال :
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ .
قوله تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 28 إلى 30 ]

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ( 28 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 )
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 116 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 152 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 4 / 26 .