تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
سورة الرعد :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ
[ الرعد : 6 ] . فبيّن - تعالى - أنه لا مصحلة في تعجيل إيصال الشرّ إليهم ؛ لأنه - تعالى - لو أوصل ذلك إليهم لماتوا ، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، أو خرج من صلبهم من يؤمن ، وذلك يقتضي ألّا يعاجلهم اللّه بإيصال الشرّ إليهم . وسمى العذاب شرّا ؛ لأنه أذى في حقّ المعاقب ، كما سماه سيئة في قوله :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
[ الرعد : 6 ] ، وفي قوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] . والمراد من استعجالهم الخير : أنّهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون اللّه بكشفها ؛ لقوله :
إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
[ النحل : 53 ] ،
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا
[ الزمر : 49 ] . قوله : « لقضي » قرأ ابن « 1 » عامر : « لقضى » بفتح القاف مبنيا للفاعل ، « أجلهم » بالنصب مفعولا ، والباقون : بالضمّ والكسر مبنيا للمفعول ، « أجلهم » رفعا لقيامه مقام الفاعل ، وقرأ الأعمش « 2 » ، ويعقوب ، وعبد اللّه : « لقضينا » مسندا لضمير المعظّم نفسه ، وهي مؤيّدة لقراءة ابن عامر .

فصل [ في معنى الآية : لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ

] معنى
« لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ »
أي : لفرغ من هلاكهم ولماتوا جميعا ، وقيل : إنّها نزلت في النّضر بن الحارث ، حين قال :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
[ الأنفال : 32 ] الآية . قوله
فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ
فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه معطوف على قوله :
« وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ » ،
على معنى أنّه في قوّة النّفي ، وقد تقدّم تحقيقه في سؤال الزمخشري ، وجوابه فيه ، إلّا أنّ أبا البقاء ردّ عطفه على « يعجّل » ، فقال : « ولا يجوز أن يكون معطوفا على « يعجّل » ؛ إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي تقتضيه « لو » ، وليس كذلك ؛ لأنّ التعجيل لم يقع ، وتركهم في طغيانهم وقع » . قال شهاب الدّين : « إنّما يتمّ هذا الرّدّ ، لو كان معطوفا على « يعجّل » فقط ، باقيا على معناه ، وقد تقدّم أنّ الكلام صار في قوّة : لا نعجل لهم الشّرّ : فنذرهم ، فيكون « فنذرهم » معطوفا على جملة النّفي ، لا على الفعل الممتنع وحده ، حتّى يلزم ما قال » . والثاني : أنّه معطوف على جملة مقدّرة : أي : ولكن نمهلهم فنذر ، قاله أبو البقاء .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة ص ( 324 ) ، الحجة 4 / 253 ، حجة القراءات ص ( 328 ) ، إعراب القراءات 1 / 261 ، إتحاف 2 / 105 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 332 ، المحرر الوجيز 3 / 108 ، البحر المحيط 5 / 133 ، الدر المصون 4 / 11 .