تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وقال القرطبي « 1 » : قال العلماء : التّعجيل من اللّه ، والاستعجال من العبد ، وقال أبو عليّ : هما من اللّه .

فصل [ في كيفية النظم ]

في كيفية النّظم وجوه : أحدها : قال ابن الخطيب « 2 » : « إنّه ابتدأ السورة بذكر شبهات المنكرين للنّبوّة مع الجواب عنها : فالشبهة الأولى : أنّ القوم تعجّبوا من تخصيص اللّه محمدا بالنّبوة ، فأزال اللّه ذلك التعجّب بقوله :
أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ،
ثم ذكر دلائل التّوحيد ، ودلائل صحّة المعاد . وحاصل الجواب أن يقول : إنّي ما جئتكم إلّا بالتوحيد ، والإقرار بالمعاد ، وقد دلّلنا على صحتهما ، فلم يبق للتعجّب من نبوّتي معنى . والشبهة الثانية : أنّهم كانوا يقولون : اللّهمّ إن كان ما يقول محمد حقا في ادّعاء النبوّة والرّسالة ، فأمطر علينا حجارة من السّماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ، فأجاب اللّه - تعالى - عن هذه الشبهة بهذه الآية . وثانيها : قال القاضي : « لمّا بيّن اللّه - تعالى - الوعد والوعيد ، أتبعه بما يدلّ على أن من حقّهما ، أن يتأخّرا عن هذه الحياة الدّنيويّة ؛ لأنّ حصولهما في الدّنيا ، كالمانع من بقاء التّكليف . وثالثها : قال القفال : إنّه لمّا وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء اللّه ، ورضوا بالحياة الدّنيا ، واطمأنوا بها ، وكانوا عن آيات اللّه غافلين ، بيّن أنّ من غفلتهم ، أنّ الرسول - عليه الصلاة والسّلام - متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلا منهم وسفها .

فصل [ في أن اللّه أخبر أن المشركين متى خوّفوا بنزول العذاب استعجلوه ]

أخبر - تعالى - في آيات كثيرة : أنّ هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدّنيا ، استعجلوا ذلك العذاب ، كقولهم :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ الأنفال : 32 ] ، وقوله تعالى :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ
[ المعارج : 1 ] الآية ، ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية ، بقوله
أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ يونس : 8 ] ، استعجلوا ذلك العذاب ، وقالوا متى يحصل ذلك ؟ كما قال - تعالى - :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها
[ الشورى : 18 ] ، وقال بعد هذه الآية ، في هذه السورة :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ يونس : 48 ] ؛ إلى قوله
آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
[ يونس : 51 ] وقال - تعالى - في
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 8 / 202 . ( 2 ) ينظر : الرازي 17 / 39 .