تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
والنّشر ، شرح بعده أحوال من يكفر بها ، ومن يؤمن بها ؛ فأما شرح أحوال الكفّار ، فهو المذكور في هذه الآية ، وصفهم فيها بأربع صفات : الأولى : قوله :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
« 1 » . قال ابن عبّاس ، ومقاتل ، والكلبي : معناه : لا يخافون البعث ؛ لأنّهم لا يؤمنون به ، والرّجاء : الخوف ؛ لقوله :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
[ النازعات : 45 ] ، وقوله :
وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
[ الأنبياء : 49 ] ، وقوله :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[ نوح : 13 ] ؛ وقال الهذليّ : [ الطويل ]
2878 - إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل « 2 »
وقال الزّجّاج : الطّمع ؛ والمعنى : لا يطمعون في ثوابنا ، واعلم أنّ اللّقاء : هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حقّ اللّه - تعالى - محال ؛ لأنه منزّه عن الحدّ ؛ فوجب أن يكون مجازا عن الرّؤية ؛ فإنه يقال : لقيت فلانا ، إذا رأيته . الصفة الثانية : قوله :
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ،
وهذه إشارة إلى استغراقهم في طلب اللّذات الجسمانيّة . والصفة الثالثة : قوله :
« وَاطْمَأَنُّوا بِها »
يجوز أن يكون عطفا على الصّلة ، وهو الظاهر ، وأن تكون الواو للحال ، والتقدير : وقد اطمأنّوا . وهذه صفة الأشقياء ، وهي أن تحصل لهم الطّمأنينة في حبّ الدّنيا والاشتغال بلذّاتها ، فيزول عن قلوبهم الوجل ، فإذا سمعوا الإنذار والتّخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر اللّه - تعالى - ، وهذا بخلاف صفة السّعداء ، فإنّهم يحصل لهم الوجل عند ذكر اللّه - تعالى - ، كما قال :
إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
[ الأنفال : 2 ] ، ثمّ إذا قويت هذه الحالة اطمأنّوا بذكر اللّه ، كما قال :
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] . ومقتضى اللّغة أن يقال : واطمأنّوا إليها ، إلّا أنّ حروف الجرّ يحسن إقامة بعضها مقام البعض . الصفة الرابعة : قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ .
يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات ، بمعنى أنّهم جامعون بين عدم رجاء لقاء اللّه وبين الغفلة عن الآيات ، والمراد بالغفلة الإعراض ، وأن يكون هذا الموصول غير الأول ، فيكون عطفا على اسم « إنّ » ، أي : إنّ الّذين لا يرجون ، وإنّ الذين هم .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 17 / 32 ) . ( 2 ) ينظر البيت في ديوان الهذليين 1 / 143 ومجاز القرآن 1 / 275 ، 2 / 73 واللسان ( رجا ) وتأويل مشكل القرآن 191 والمذكر والمؤنث لابن الأنباري 1 / 589 وإصلاح المنطق 142 والتفسير الكبير 17 / 38 والقرطبي 8 / 199 الأضداد لابن السكيت ص 179 المقاييس 2 / 495 المخصص 8 / 178 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 269 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب