تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
مرفوعة في البساتين ، والأنهار تجري من بين أيديهم ، كقوله :
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
[ مريم : 24 ] ، وهي ما كانت قاعدة عليه بل المعنى : بين يديك ، وكذا قوله :
وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
[ الزخرف : 51 ] أي : بين يدي ، وقيل :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ
أي : بأمرهم . قوله :
« فِي جَنَّاتِ »
يجوز أن يتعلّق ب « تجري » ، وأن يكون حالا من « الأنهار » ، وأن يكون خبرا بعد خبر ل « إنّ » ، وأن يكون متعلّقا ب « يهدي » . قوله : « دعواهم » مبتدأ ، و « سبحانك » معمول لفعل مقدّر لا يجوز إظهاره هو الخبر ، والخبر هنا هو نفس المبتدأ ، والمعنى : أن دعاؤهم هذا اللفظ ، ف « دعوى » يجوز أن يكون بمعنى الدعاء ، ويدلّ عليه « اللّهمّ » ؛ لأنّه نداء في معنى يا اللّه ، يقال : « دعا يدعو دعاء ودعوى » ، كما يقال : « شكى يشكو شكاية وشكوى » ، ويجوز أن يكون الدّعاء هنا بمعنى العبادة ، نظيره قوله تعالى :
وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ مريم : 48 ] أي : وما تعبدون ، ف « دعوى » : مصدر مضاف للفاعل ، ثم إن شئت أن تجعل هذا من باب الإسناد اللفظي ، أي : دعاؤهم في الجنّة هذا اللفظ بعينه ، فيكون نفس « سبحانك » هو الخبر ، وجاء به محكيّا على نصبه بذلك الفعل ، وإن شئت جعلته من باب الإسناد المعنوي ؛ فلا يلزم أن يقولوا هذا اللفظ فقط ، بل يقولونه وما يؤدّي معناه من جميع صفات التنزيه والتّقديس ، وقد تقدّم نظير هذا عند قوله تعالى :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
[ البقرة : 58 ] . وقيل : المراد من الدّعوى : نفس الدّعوى التي تكون للخصم على خصمه . والمعنى : أنّ أهل الجنّة يدعون في الدّنيا وفي الآخرة تنزيه اللّه عن كل المعايب ، والإقرار له بالإلهيّة . قال القفال : وأصل ذلك من الدّعاء ، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما . قال أبو مسلم : « دعواهم » أي : فعلهم وإقرارهم ، ونداؤهم هو قولهم
« سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ »
قال القاضي : « دعواهم » أي : طريقتهم في تمجيد اللّه وتقديسه وشأنهم وسنّتهم ؛ لأنّ قوله
« سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ »
ليس بدعاء ولا بدعوى ، إلّا أنّ المدّعي للشيء يكون مواظبا على ذكره ، لا جرم جعل لفظ « الدّعوى » كناية عن تلك المواظبة والملازمة . فأهل الجنّة لمّا كانوا مواظبين على هذا الذكر ، أطلق لفظ « الدّعوى » عليهم ، وقال القفال : قيل في قوله :
وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ
[ يس : 57 ] أي : ما يتمنونه ، والعرب تقول : ادع ما شئت عليّ أي : تمنّ ما شئت . وقال ابن جريح : أخبرت أن قوله
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ
: هو أنّه إذا مرّ بهم طير يشتهونه ، قالوا : سبحانك اللّهمّ ، فيأتيهم الملك بذلك المشتهى . قال ابن الخطيب : « وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المعنى : أنّ تمنيهم في الجنّة أن يسبحوا اللّه - تعالى - ،
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 271 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب