تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
أم لا ؟ فمن منع ؛ لأنه كباب المبتدأ والخبر الصريح متى كان كذلك ؛ امتنع تقديمه على المبتدأ ، لئلّا يلتبس بباب الفاعل ؛ فكذلك بعد نسخه ، ومن أجاز فلأمن اللّبس . ثم قال أبو حيّان : « ويخلّص من هذه الإشكالات اعتقاد كون « كاد » زائدة ، ومعناها مراد ، ولا عمل لها إذ ذاك في اسم ولا خبر ، فتكون مثل « كان » إذا زيدت ، يراد معناها ولا عمل لها ، ويؤيّد هذا التأويل قراءة ابن « 1 » مسعود « من بعد ما زاغت » بإسقاط « كاد » وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في قوله تعالى :
لَمْ يَكَدْ يَراها
[ النور : 4 ] مع تأثّرها بالعامل وعملها فيما بعدها ؛ فأحرى أن يدّعى زيادتها ، وهي ليست عاملة ولا معمولة » قال شهاب الدّين زيادتها أباه الجمهور ، وقال به من البصريين الأخفش وجعل منه
أَكادُ أُخْفِيها
[ طه : 15 ] وتقدّم الكلام [ البقرة : 205 ] على ذلك . وقرأ الأعمش « 2 » ، والجحدريّ « تزيغ » بضم التاء ، وكأنّه جعل « أزاغ » ، و « زاغ » بمعنى . وقرأ أبيّ « 3 » « كادت » بتاء التأنيث .

فصل [ في ما تفيده كاد ]

« كاد » عند بعضهم تفيد المقاربة ، وعند آخرين تفيد المقاربة مع عدم الوقوع و « الزيغ » الميل ، أي : من بعد ما كاد تميل قلوب فريق منهم ، أو بعضهم ، ولم يرد الميل عن الدّين بل أراد الميل للتخلف ، والانصراف ؛ فهذه التوبة توبة عن تلك المقاربة . واختلفوا في الذي وقع في قلوبهم ، فقيل : همّ بعضهم عند تلك الشدّة العظيمة أن يفارق الرسول ، لكنه صبر واحتسب ؛ فلذلك قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
لمّا صبروا وندموا على ذلك الأمر اليسير . وقال آخرون : بل كان ذلك تحدث النفس الذي كان مقدمة العزيمة ، فلمّا نالتهم الشّدة ، وقع ذلك في قلوبهم ، ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفا من أن يكون معصية ؛ فلذلك قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ .
فإن قيل : ذكر التوبة في أوّل الآية ، وفي آخرها ، فما فائدة التّكرار ؟ . فالجواب من وجوه : أحدها : أنّه تعالى ابتدأ بذكر التّوبة قبل ذكر الذّنب تطيبا لقلوبهم ثم لمّا ذكر الذّنب أردفه مرة أخرى بذكر التوبة ؛ تعظيما لشأنهم . وثانيها : إذا قيل : عفا السّلطان عن فلان ثمّ عفا عنه ، دلّ على أنّ ذلك العفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوّة ، قال عليه الصلاة والسّلام : « إنّ اللّه ليغفر ذنب الرّجل المسلم عشرين مرّة » « 4 » وهذا معنى قول ابن عبّاس في قوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 318 ، المحرر الوجيز 3 / 793 البحر المحيط 5 / 112 ، الدر المصون 3 / 510 . ( 2 ) ينظر : السابق . ( 3 ) ينظر : السابق . ( 4 ) تقدم .