تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
لمّا منع المسلمين من أن يستغفروا للمشركين ، والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول الآية ، فلمّا نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين . وأيضا فإنّ أقواما من المسلمين الذين استغفروا للمشركين ، كانوا ماتوا قبل نزول هذه الآية فوقع الخوف في قلوب المسلمين أنّه كيف يكون حالهم ؛ فأزال اللّه ذلك عنهم بهذه الآية وبيّن أنه لا يؤاخذهم بعمل إلّا بعد أن يبيّن لهم أنّه يجب عليهم أن يتّقوه ويحترزوا عنه فهذا وجه حسن في النّظم .

فصل [ في معنى الآية : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً . . .

] معنى الآية : ما كان اللّه ليحكم عليكم بالضّلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين
« حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ » .
قال مجاهد : « بيان اللّه للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة ، وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة » « 1 » . وقال الضحاك : « ما كان اللّه ليعذّب قوما حتى يبيّن لهم ما يأتون وما يذرون » « 2 » . وقال مقاتل والكلبيّ : هذا في المنسوخ ، وذلك أنّ قوما قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأسلموا قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ؛ فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة ، ولا علم لهم بذلك ، ثم قدموا بعد ذلك المدينة ؛ فوجدوا الخمر قد حرّمت والقبلة قد صرفت ، فقالوا يا رسول اللّه : قد كنت على دين ونحن على غيره ، فنحن ضلال ؟ فأنزل اللّه تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ
« 3 » الناسخ ، وقيل : المعنى : أنّه أضله عن طريق الجنّة أي : صرفه ومنعه من التوجّه إليه . وقالت المعتزلة : المراد من هذا الإضلال ، الحكم عليهم بالضلال ؛ واحتجّوا بقول الكميت : [ الطويل ]
2852 - وطائفة قد أكفروني بحبّكم * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 4 »
قال ابن الأنباري « وهذا التّأويل فاسد ؛ لأنّ العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا : ضلل يضلل ، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل ؛ لأنه يلزم من قولنا : أكفر في الحكم صحة قولنا : أضلّ . وليس كل موضع صح فيه‌صح فيه « فعل » فإنّه يجوز أن يقال « كسر » ، و « قتل » ، ولا يجوز « أكسر » ، و « أقتل » ؛ بل يجب فيه الرّجوع إلى السماع » .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 500 ) وذكره البغوي ( 2 / 332 - 333 ) . ( 2 ) انظر : المصدر السابق . ( 3 ) المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : الرازي 16 / 168 .