تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
قوله :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ .
في تعلّق هذه الآية بما قبلها وجوه : أحدها : أنّه لا يتوهم إنسان أنّه تعالى منع محمّدا من بعض ما أذن لإبراهيم فيه . وثانيها : أنه تعالى لمّا بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء والأموات ، بيّن ههنا أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد - عليه الصلاة والسّلام - ، بل وجوب الانقطاع مشروع أيضا في دين إبراهيم ؛ فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة أكمل ، وأقوى . وثالثها : أنّه تعالى وصف إبراهيم بكونه حليما أي : قليل الغضب ، وبكونه أواها ، أي : كثير التّوجع والتّفجّع عند نزول المضار بالنّاس ، ومن كان موصوفا بهذه الصّفة كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدا ؛ فكأنه قيل : إنّ إبراهيم مع جلالة قدره ، وكونه موصوفا بالأواهية والحلمية منعه اللّه من الاستغفار لأبيه الكافر ، فمنع غيره أولى . قوله :
« وَعَدَها إِيَّاهُ » .
اختلف في الضمير المرفوع ، والمنصوب المنفصل ، فقيل - وهو الظاهر - إنّ المرفوع يعود على « إبراهيم » ، والمنصوب على « أبيه » ، يعني : أنّ إبراهيم كان وعد أباه أن يستغفر له ، ويؤيد هذا قراءة الحسن ، وحماد الرّواية « 1 » ، وابن السّميفع ومعاذ القارى ء « وعدها أباه » بالباء الموحدّة . وقيل : المرفوع لأبي إبراهيم والمنصوب ل « إبراهيم » . وفي التفسير أنه كان وعد إبراهيم أنّه يؤمن ؛ فذلك طمع في إيمانه .

فصل [ في أن القرآن دل على أن إبراهيم استغفر لأبيه ]

دلّ القرآن على أنّ إبراهيم استغفر لأبيه ، لقوله :
وَاغْفِرْ لِأَبِي
[ الشعراء : 86 ] وقوله :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
[ إبراهيم : 41 ] وقال :
سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
[ مريم : 47 ] وقال أيضا
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
[ الممتحنة : 4 ] ، والاستغفار للكافر لا يجوز . فأجاب تعالى عن هذا الإشكال بقوله
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
والمعنى : أن أباه وعده أن يؤمن ؛ فلذا استغفر له ، فلمّا تبيّن له أنّه لا يؤمن وأنّه عدو للّه ، تبرّأ منه . وقيل : إنّ الواعد « إبراهيم » وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه وقيل في الجواب وجهان آخران : الأول : أنّ المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلّص من العقاب ، ويدعو اللّه أن يرزقه الإيمان فهذا هو الاستغفار ، فلمّا أخبره تعالى بأنّه يموت كافرا ترك تلك الدّعوة .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 315 ، الدر المصون 3 / 508 .