تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
تكون مستأنفة ، والعلم هنا يحتمل أن يكون على بابه ؛ فيتعدّى لاثنين ، أي : لا تعلمهم منافقين فحذف الثّاني للدلالة عليه بتقدّم ذكر المنافقين ؛ ولأنّ النفاق من صفات القلب ، لا يطلع عليه . وأن تكون العرفانية فتتعدّى لواحد ، قاله أبو البقاء . وأمّا
« نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ »
فلا يجوز أن تكون إلّا على بابها ، لما تقدّم في الأنفال ، وإن كان الفارسيّ في إيضاحه صرّح بإسناد المعرفة إليه تعالى ، وهو محذور لما تقدّم . قوله :
« سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ »
تقدّم الكلام في نصب
مَرَّةٍ
[ التوبة : 13 ] ، وأنّه من وجهين ، إمّا المصدرية ، وإمّا الظرفية ، فكذلك هذا ، وهذه التثنية يحتمل أن يكون المراد بها شفع الواحد ، وعليه الأكثر ، واختلفوا في تفسيرها ، وألّا يراد بها التثنية الحقيقية ، بل يراد بها التّكثير ، كقوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
[ الملك : 4 ] ، أي : كرّات ، بدليل قوله :
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
[ الملك : 4 ] ، أي : مزدجرا ، وهو كليل ، ولا يصيبه ذلك إلّا بعد كرّات ، ومثله « لبّيك ، وسعديك ، وحنانيك » . وروى عياش « 1 » عن أبي عمرو « سنعذّبهم » بسكون الباء ، وهو على عادته في تخفيف توالى الحركات ك
يَنْصُرْكُمُ
[ آل عمران : 160 ] وبابه ، وإن كان باب « ينصركم » أحسن تسكينا ، لكون الرّاء حرف تكرار ؛ فكأنه توالى ضمّتان ، بخلاف غيره ، وقد تقدّم تحريره . وقال أبو حيّان : وفي مصحف أنس « 2 » « سيعذّبهم » بالياء ، وقد تقدّم أنّ المصاحف كانت مهملة من النقط والضبط بالشكل ، فكيف يقال هذا ؟ ! .

فصل [ في اختلاف العلماء في معنى العذابين ]

وأمّا اختلافهم في هذين العذابين : فقال السّديّ والكلبيّ : قام النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبا يوم الجمعة فقال : « اخرج يا فلان فإنّك منافق اخرج يا فلان . . . » فأخرج من المسجد ناسا ، وفضحهم ، فهذا هو العذاب الأول . والثاني : عذاب القبر « 3 » . وقال مجاهد : الأول القتل والسبي ، والثاني عذاب القبر « 4 » ، وعنه رواية أخرى عذّبوا بالجوع مرّتين « 5 » . وقال قتادة : بالدبيلة في الدّنيا ، وعذاب القبر « 6 » . وقال ابن زيد : الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدّنيا ،
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 98 ، الدر المصون 3 / 499 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 76 ، البحر المحيط 5 / 98 ، الدر المصون 3 / 499 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 457 ) عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 486 ) من هذا الطريق وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والطبراني في « الأوسط » وأبي الشيخ وابن مردويه وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 323 ) عن الكلبي والسدي . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 456 ) وذكره البغوي ( 2 / 323 ) . ( 5 ) انظر المصدر السابق . ( 6 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 323 ) .