تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
ومعنى الآية : اقعدوا لهم على كل طريق - والمرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو يريد : كونوا لهم رصدا ، لتأخذوهم من أي وجه توجهوا . قوله :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ
أي : دعوهم ليتصرفوا في أمصارهم ، ويدخلوا مكة
« إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ »
لمن تاب
« رَحِيمٌ »
به . واحتجوا بهذه الآية على قتل تارك الصلاة ؛ لأن الله تعالى أباح دم الكفار مطلقا ثم حرمها عند التوبة ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فإذا لم توجد الثلاثة ، فإباحة الدم بحالها . قال الحسين بن الفضل : « هذه الآية تنسخ كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء » « 1 » . قوله تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ
الآية . روى ابن عباس : أن رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله ، أو لحاجة أخرى ، فهل نقتل ؟ فقال علي - رضي الله عنه - : « لا » لأن الله قال :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ
أي : فأمنه حتى يسمع كلام الله « 2 » . فتقرير النظم : أنه لما أوجب بانسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين ، دل ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم ، وأن ما ذكره عليه الصلاة والسلام قبل ذلك من الدلائل كفى في إزاحة عذرهم ، وذلك يقتضي أن أحدا من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت إليه ، بل يطالب إما بالإسلام ، وإما بالقتل ، فذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لهذه الشبهة ، وبين أن الكافر إذا جاء طالبا الدليل والحجة ، أو طالبا لا ستماع القرآن ، فإنه يجب إمهاله ويحرم قتله . قوله :
وَإِنْ أَحَدٌ
كقوله
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
[ النساء : 176 ] في كونه من باب الاشتغال عند الجمهور . قال ابن الخطيب « 3 » :
« أَحَدٌ »
مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وتقديره : « وإن استجارك أحد ، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء ، لأن « إن » من عوامل الفعل لا تدخل على غيره » . قوله
« حَتَّى يَسْمَعَ »
يجوز أن تكون هنا للغاية ، وأن تكون للتعليل ، وعلى كلا التقديرين تتعلق بقوله
« فَأَجِرْهُ »
، وهل يجوز أن تكون هذه المسألة من باب التنازع أم لا ؟ وفيه غموض ، وذلك أنه يجوز من حيث المعنى أن تعلق
« حَتَّى »
بقوله
« اسْتَجارَكَ »
، أو بقوله
« فَأَجِرْهُ »
إذ يجوز تقديره : وإن استجارك أحد حتى يسمع كلام الله فأجره ، حتى
هامش
( 1 ) ذكره البغوي ف ي « تفسيره » ( 2 / 269 ) . ( 2 ) انظر تفسير الرازي ( 15 / 181 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 15 / 181 .