تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
كقوله :
أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
[ النساء : 90 ] في أحد أوجهه كما تقدّم ، وإلى هذا نحا الزمخشريّ . الثالث : أن يكون معطوفا على الشّرط ؛ فيكون في محلّ جر بإضافة الظرف إليه بطريق النسق وحذف حرف العطف ، والتقدير : وقلت ، وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة وإلى هذا ذهب الجرجاني ، وتبعه ابن عطيّة ، إلا أنّه قدّر العاطف فاء أي : فقلت . الرابع : أن يكون مستأنفا . قال الزمخشريّ « فإن قلت : هل يجوز أن يكون قوله : « قلت لا أجد » استئنافا مثله ؟ - يعني مثل :
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ
[ التوبة : 93 ] - كأنّه قيل : إذا ما أتوك لتحملهم تولّوا ، فقيل : ما لهم تولّوا باكين ؟ قلت لا أجد ما أحملهم عليه إلّا أنّه وسط بين الشرط والجزاء ، كالاعتراض ؟ قلت : نعم ، ويحسن » انتهى . قال أبو حيّان « ولا يجوز ، ولا يحسن في كلام العرب ، فكيف في كلام اللّه ؟ وهو فهم أعجمي » قال شهاب الدين : وما أدري ما سبب منعه ، وعدم استحسانه له مع وضوحه وظهوره لفظا ومعنى ؟ وذلك لأنّ تولّيهم على حالة فيض الدّمع ليس مرتبا على مجرّد مجيئهم له عليه الصلاة والسّلام ليحملهم ، بل على قوله لهم :
« لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ »
وإذا كان كذلك فقوله - عليه الصلاة والسّلام - لهم ذلك سبب في بكائهم ؛ فحسن أن يجعل قوله :
« قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ »
جوابا لمن سأل عن علة تولّيهم ، وأعينهم فائضة دمعا ، وهو المعنى الذي قصده أبو القاسم وعلى هذه الأوجه الأربعة المتقدمة في « قلت » يكون جواب الشّرط قوله : « تولّوا » ، وقوله « لتحملهم » علة ل « أتوك » . وقوله :
« لا أَجِدُ »
هي المتعدية لواحد ؛ لأنّها من « الوجد » ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة ، أو موصوفة .

فصل [ في ورود لفظ التولي في القرآن على أربعة أوجه ]

قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ التّولّي في القرآن على أربعة أوجه : الأول : بمعنى الانصراف ، قال تعالى :
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ
[ التوبة : 92 ] ومثله قوله تعالى
ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
[ القصص : 24 ] أي : انصرف . الثاني : بمعنى : « أبى » ، قال تعالى
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ
[ المائدة : 49 ] أي : أبوا أن يؤمنوا ؛ ومثله قوله تعالى
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ
[ النساء : 89 ] . الثالث : بمعنى « أعرض » قال تعالى
وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
[ النساء : 80 ] . الرابع : الإعراض عن الإقبال ، قال تعالى
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
[ الأنفال : 15 ] . قوله :
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ
في محلّ نصب على الحال من فاعل « تولّوا » . قال الزمخشريّ « تفيض من الدّمع ، كقولك : تفيض دمعا » . وقد تقدّم الكلام على هذا في المائدة مستوفى عند قوله
تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
[ المائدة : 83 ] وأنّه جعل
« مِنَ الدَّمْعِ »
تمييزا ، و « من » مزيدة وتقدّم الرّد عليه في ذلك هناك .