تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢

فصل [ في اختلاف العلماء في الآية : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ

هل تفيد العموم ] اختلفوا في قوله :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
هل يفيد العموم ؟ فقال بعضهم : لا ؛ لأنّ اللفظ مقصور على أقوام معيّنين نزلت الآية فيهم . وقال آخرون : بلى ؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب ، والمحسن هو الآتي بالإحسان ، ورأس الإحسان لا إله إلّا اللّه ، فكلّ من قالها واعتقدها ، كان من المسلمين ، فاقتضت نفي جميع المسلمين ؛ فدلّ هذا اللفظ بعمومه على أنّ الأصل حرمة القتل ، وحرمة أخذ المال وأن لا يتوجه عليه شيء من التّكاليف ، إلّا بدليل منفصل ، فصارت هذه الآية بهذا الطريق أصلا معتبرا في الشريعة ، في تقرير أنّ الأصل براءة الذّمة ، إلى أن يرد نص خاص . قوله :
« وَلا عَلَى الَّذِينَ » .
فيه أوجه : أحدها : أن يكون معطوفا على « الضّعفاء » ، أي : ليس على الضعفاء ، ولا على الذين إذا ما أتوك ، فيكونون داخلين في خبر « ليس » مخبرا بمتعلقهم عن اسمها ، وهو « حرج » . الثاني : أن يكون معطوفا على « المحسنين » فيكونون داخلين فيما أخبر به من قوله :
« مِنْ سَبِيلٍ » ،
فإنّ
« مِنْ سَبِيلٍ »
يحتمل أن يكون مبتدأ ، وأن يكون اسم « ما » الحجازية ، و « من » مزيدة في الوجهين . الثالث : أن يكون
« وَلا عَلَى الَّذِينَ »
خبرا لمبتدأ محذوف ، تقديره : ولا على الذين إذا ما أتوك . . إلى آخر الصلة ، حرج ، أو سبيل وحذف لدلالة الكلام عليه ، قاله أبو البقاء . ولا حاجة إليه ، لأنّه تقدير مستغنى عنه إذ قدّر شيئا يقوم مقامه هذا الموجود في اللفظ والمعنى . وهذا الموصول ، أعني قوله :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ ،
يحتمل أن يكون مندرجا في قوله :
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ
وذكروا على سبيل نفي الحرج عنهم ، وألا يكونوا مندرجين ، بل أن يكون هؤلاء وجدوا ما ينفقون ، إلّا أنّهم لم يجدوا مركوبا . وقرأ معقل « 1 » بن هارون « لنحملهم » بنون العظمة ، وفيها إشكال ، إذ كان مقتضى التركيب : قلت : لا أجد ما يحملكم عليه اللّه . قوله : « قلت » فيه أربعة أوجه ، أحدها : أنّه جواب « إذا » الشّرطيّة ، و « إذا » وجوابها في موضع الصّلة ، وقعت الصّلة جملة شرطية ، وعلى هذا ؛ فيكون قوله : « تولّوا » جوابا لسؤال مقدر كأنّ قائلا قال : ما كان حالهم إذا أجيبوا بهذا الجواب ؟ فأجيب بقوله : « تولّوا » . الثاني : أنّه في موضع نصب على الحال ، من « أتوك » ، أي : إذا أتوك ، وأنت قائل : لا أجد ما أحملكم عليه ، و « قد » مقدرة ، عند من يشترط ذلك في الماضي الواقع حالا ،
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 88 ، الدر المصون 3 / 492 .