تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
نقيض الموالاة ، ويدلّ على هذا الفرق في البراءة الأولى برئ إليهم ، وفي الثانية برئ منهم . الثاني : أنّه تعالى في الكلام الأوّل ، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد ، وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معيّن ، تنبيها على أنّ الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم . قوله « فإن تبتم » عن الشرك ، وأخلصتم التّوحيد :
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أعرضتم عن الإيمان
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
وذلك وعيد عظيم . ثم قال
وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
في الآخرة ، والبشارة - ههنا - وردت على سبيل الاستهزاء كما يقال : تحيتهم الضرب ، وإكرامهم الشّتم . قوله
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
في هذا الاستثناء ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه استثناء منقطع ، والتقدير : لكن الذين عاهدتم فأتمّوا إليهم عهدهم ، وإلى هذا نحا الزّمخشري « 1 » ، فإنه قال : « فإن قلت : ممّا استثنى قوله :
« إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ » ؟
قلت : وجهه أن يكون مستثنى من قوله :
« فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ » ؛
لأنّ الكلام خطاب للمسلمين ومعناه : براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ، فقولوا لهم : سيحوا إلّا الذين عاهدتم منهم ، ثمّ لم ينقصوا فأتموا إليهم عهدهم ، والاستثناء بمعنى الاستدراك ، كأنه قيل بعد أن أمروا في النّاكثين ، ولكن الذين لم ينكثوا ، فأتمّوا إليهم عهدهم ، ولا تجروهم مجراهم . الثاني : أنّه استثناء متصل ، وقبله جملة محذوفة ، تقديره : اقتلوا المشركين المعاهدين إلّا الذين عاهدتم ، وفيه ضعف ؛ قاله الزّجّاج ، فإنّه قال : « إنّه عائد إلى قوله : « براءة » والتقدير : براءة من اللّه ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلّا الذين لم ينقضوا العهد » . الثالث : أنّه مبتدأ ، والخبر قوله :
« فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ »
قاله أبو البقاء ، وفيه نظر ؛ لأنّ الفاء تزاد في غير موضعها ، إذ المبتدأ لا يشبه الشّرط ؛ لأنّه لأناس بأعيانهم ، وإنما يتمشّى على رأي الأخفش ، إذ يجوّز زيادتها مطلقا ، والأولى أنّه منقطع ، لأنّا لو جعلناه متصلا مستثنى من المشركين في أوّل السّورة ، لأدّى إلى الفصل بين المستثنى ، والمستثنى منه بجمل كثيرة . قوله
ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً
الجمهور « ينقصوكم » بالصّاد المهملة ، وهو يتعدّى لواحد ، ولاثنين ، ويجوز ذلك فيه هنا ف « كم » مفعول أول ، و « شيئا » إمّا مفعول ثان ، وإمّا مصدر ، أي : شيئا من النقصان ، أو : لا قليلا ، ولا كثيرا من النقصان .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 245 .