تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشيّة عرفة ، فقال : « أمّا بعد فإنّ هذا يوم الحج الأكبر » لأنّ معظم أفعال الحج فيه « 1 » ، وروي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقف يوم النّحر عند الجمرات ، وقال : « هذا يوم الحج الأكبر » وقال عليه الصلاة والسّلام الحج عرفة « 2 » ولأنّ أعظم أعمال الحج الوقوف بعرفة ؛ لأنّ من أدركه ، فقد أدرك الحجّ ، ومن فاته فقد فاته الحجّ . وقال ابن عبّاس في رواية عطاء يوم الحج الأكبر : يوم النحر « 3 » ، وهو قول النخعيّ ، والشعبيّ ، والسديّ ، وإحدى الروايتين عن عليّ ، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير . وروى ابن جريج عن مجاهد أنه قال : يوم الحجّ الأكبر أيّام منى كلها « 4 » ، وهو مذهب سفيان الثّوري ، وكان يقول : يوم الحجّ الأكبر : أيامه كلها ، كما يقال : يوم صفين ، ويوم الجمل ، ويراد به الحين والزمان . وأما تسميته بيوم الحج الأكبر ، فإن قلنا : إنّه يوم عرفة ؛ فلأنه أعظم واجباته ، ومن فاته الحجّ ، وكذلك إن قلنا : إنّه يوم النحر ، لأن معظم أفعال الحج يفعل فيه ، وقال الحسن : سمّي بذلك لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب ، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر ، وطعن الأصم في هذا الوجه وقال : عيد الكفّار فيه سخط . وهذا الطّعن ضعيف ؛ لأنّ المراد أنّ ذلك اليوم استعظمه جميع الطوائف ، فلذلك وصف بالأكبر . وقيل سمّي بذلك ؛ لأن المسلمين والمشركين حجّوا في تلك السّنة ، وقيل : الأكبر الوقوف بعرفة والأصغر النّحر ، قاله مجاهد ، ونقل عن مجاهد : الأكبر القران ، والأصغر الإفراد « 5 » ، فإن قيل : قوله :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وقوله
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
لا فرق بينهما ، فما فائدة هذا التكرار ؟ . فالجواب من وجوه : الأول : أنّ المقصود من الأوّل البراءة من العهد ، ومن الثاني : البراءة التي هي
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 382 ) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه عن المسور بن مخرمة . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 311 - 312 ) عن علي وابن عباس وعبد اللّه بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير وأبي جحيفة والشعبي والنخعي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 381 ) عن ابن عباس وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة . وذكره عن أبي جحيفة وعزاه لابن أبي شيبة . وعن عبد اللّه بن أبي أوفى وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبي الشيخ . وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 268 ) عن علي وعبد اللّه بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وقال : وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 316 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 268 ) عن مجاهد . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 317 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 268 ) .