تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
قال قتادة : حلف لهما باللّه حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن باللّه .
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
أي : قال إبليس : إنّي حلفت قبلكما ، وأنا أعلم أحوالا كثيرة من المصالح والمفاسد ، لا تعرفانها ، فامتثلا قولي أرشدكما ، وإبليس أوّل من حلف باللّه كاذبا ، فلمّا حلف ظن آدم أنّ أحدا لا يحلف باللّه إلّا صادقا فاغتر به . قوله :
لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
يجوز في « لكما » أن تتعلق بما بعده على أن « أل » معرفة لا موصولة ، وهذا مذهب أبي عثمان ، أو على أنّها موصولة ، ولكن تسومح في الظّرف وعديله ما لا يتسامح في غيرهما اتّساعا فيهما لدورانهما في الكلام ، وهو رأي بعض البصريّين ، وأنشد : [ الرجز ]
2432 - ربّيته حتّى إذا تمعددا * كان جزائي بالعصا أن أجلدا « 1 »
ف « بالعصا » متعلّق بأجلدا وهو صلة أن ، أو أن ذلك جائز مطلقا ، ولو في المفعول به الصّريح ، وهو رأي الكوفيين وأنشدوا : [ الكامل ]
2433 - . . . * وشفاء غيّك خابرا أن تسألي « 2 »
أي : أن تسألي خابرا ، أو أنّه متعلّق بمحذوف على البيان أي : أعني لكما كقولهم : سقيا لك ، ورعيا ، أو تعلّق بمحذوف مدلول عليه بصلة أل أي : إنّي ناصح لكما ، ومثل هذه الآية الكريمة :
إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ
[ الشعراء : 168 ] ،
وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
[ يوسف : 68 ] . وجعل ابن مالك « 3 » ذلك مطّردا في مسألة أل الموصولة إذا كانت مجرورة ب « من » . ونصح يتعدّى لواحد تارة بنفسه ، وتارة بحرف الجرّ ، ومثله شكر ، وقد تقدّم « 4 » ، وكال ، ووزن . وهل الأصل التعدّي بحرف الجر والتّعدّي بنفسه ، أو كل منهما أصل ؟ الرّاجح الثّالث . وزعم بعضهم أنّ المفعول في هذه الأفعال محذوف ، وأنّ المجرور باللّام هي الثّاني ، فإذا قلت : نصحت لزيد فالتقدير : نصحت لزيد الرّأي . وكذلك شكر له صنيعه وكلت له طعامه ووزنت له متاعه فهذا مذهب رابع . وقال الفرّاء : « العرب لا تكاد تقول : نصحتك ، إنّما يقولون نصحت لك وأنصح لك » ، وقد يجوز نصحتك . قال النابغة : [ الطويل ]
2434 - نصحت بني عوف فلم يتقبّلوا * رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي « 5 »
وهذا يقوّي أنّ اللّام أصل .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : شرح الكافية له 2 / 1019 . ( 4 ) ينظر : تفسير سورة البقرة آية ( 52 ) . ( 5 ) ينظر ديوانه 93 ، ابن الشجري 1 / 362 ، اللسان ( نصح ) ، الدر المصون 3 / 249 .