تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
حبسها ، ولولا الحابس لها لأفسدت الحرث والنّسل وأمّا التّراب فالخير والبركة [ فيه ] ، كلما قلّب ظهرت بركته وخيره . فأين أحدهما من الآخر ؟ وأيضا فإنّ اللّه تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه ، وذكر منافعها وخلقها ، وأنّه جعلها :
مِهاداً
[ النبأ : 6 ] و
فَرْشاً
[ البقرة : 22 ] و
بِساطاً
[ نوح : 19 ] ، و
قَراراً
[ النمل : 61 ] و
كِفاتاً
[ المرسلات : 25 ] للاحياء والأموات ودعا عباده إلى التّفكر فيها ، والنّظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها ، ولم يذكر النّار إلا في معرض العقوبة والتّخويف والعذاب إلا موضعا أو موضعين ذكرها بأنها
تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
[ الواقعة : 73 ] بذكره لنار الآخرة ، ومتاعا لبعض أفراد النّاس وهم المقوون النّازلون بالمفازة ، وهي الأرض الخالية إذا نزلها المسافر تمتّع بالنّار في منزله . فأين هذا من أوصاف الأرض ؟ وأيضا فإنّ اللّه تعالى وصف الأرض بالبركة في مواضع من كتابه ، وأخبر أنّه بارك فيها ، وقدّر فيها أقواتها ، وقال :
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها
[ الأنبياء : 71 ] ،
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها
[ سبأ : 18 ] ،
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها
[ الأنبياء : 81 ] وأمّا النّار فلم يخبر بأنّه جعل فيها بركة أصلا بل المشهور أنّها مذهبة للبركات مبيدة لها . فأين المبارك في نفسه من المزيل للبركة ؟ وما حقّها ؟ وأيضا فإنّ اللّه - تبارك وتعالى - جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه ، ويسبّح له بالغدوّ ، والآصال ، وبيته الحرام الذي جعله قياما للنّاس مباركا ، وهدى للعالمين . وأيضا فإنّ اللّه أودع في الأرض من المنافع ، والمعادن ، والأنهار والثّمرات والحبوب ، وأصناف الحيوان ما لم يرد في النّار شيء منه إلى غير ذلك . وأمّا المقدّمة الثّانية ، وهي من كانت مادته أفضل فهو أفضل ، فهذا محلّ النّزاع ، والبحث ؛ لأنه لما كانت الفضيلة عطيّة من اللّه - تبارك وتعالى - ابتداء لم يلزم من فضيلة المادّة فضيلة الصّورة ، ألا ترى أنّه يخرج الكافر من المؤمن ، والمؤمن من الكافر ، والنّور من الظّلمة والظّلمة من النّور ، وذلك يدلّ على أنّ الفضيلة لا تحصل إلّا بفضل اللّه ، لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر . وأيضا ، فالتّكليف إنّما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حدّ كمال العقل فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه . وأيضا فالمفضل إنّما يكون بالأعمال ، وما يتّصل بها ، لا بسبب المادّة ؛ ألا ترى أنّ الحبشيّ المؤمن مفضل على القرشيّ الكافر .