تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
ويمكن أن يجاب بأن يقال : إن كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أن يلجأ الأشرف ] « 1 » إلى خدمة الأدنى ، أما لو رضي ذلك الشّريف بتلك الخدمة لم يقبح ؛ لأنه لا اعتراض عليه في أن يسقط حقّ نفسه ، أمّا الملائكة فقد رضوا بذلك فلا بأس به ، وأمّا إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق ، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود ، فهذا قياس مناسب ، وإنه يوجب تخصيص النّصّ ، ولا يوجب رفعه بالكليّة ولا إبطاله ، فلو كان تخصيص النّصّ بالقياس جائزا لما استوجب الذّم العظيم ، فلمّا استوجب استحقاق هذا الذم العظيم علمنا أنّ ذلك إنّما كان لأجل أن تخصيص النّصّ بالقياس لا يجوز .

فصل في بيان قوله تعالى ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ

قوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
لا شكّ أن قائل هذا القول هو اللّه سبحانه وتعالى ، وقوله :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
لا شكّ أنّ قائل هذا القول هو إبليس ، وقوله :
« فَاهْبِطْ مِنْها »
لا شكّ أن قائل هذا القول هو اللّه سبحانه وتعالى ، وقوله :
فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
لا شكّ أنّ هذا قول إبليس ، ومثل هذه المناظرة بين اللّه وبين إبليس مذكور في سورة « ص » « 2 » . وإذا ثبت هذا فنقول : إنه لم يتّفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مكالمة مع اللّه مثل ما اتّفق لإبليس ، وقد عظّم اللّه شرف موسى - عليه الصلاة والسلام - بقوله :
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
[ الأعراف : 143 ] ،
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] ، فإذا كانت المكالمة تفيد الشّرف العظيم فكيف حصلت على أعظم الوجوه لإبليس ؟ وإن لم يوجب الشّرف العظيم فكيف ذكره اللّه تعالى في معرض التشريف لموسى - عليه الصلاة والسلام - . والجواب من وجهين « 3 » : أحدهما : قال بعض العلماء : إنّه تعالى قال ذلك لإبليس بواسطة على لسان بعض الملائكة ؛ لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم اللّه إلا بواسطة . الثاني : أنّه تعالى تكلّم مع إبليس بلا واسطة لكن على وجه الإهانة بدليل قوله تعالى :
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ،
وتكلّم مع الأنبياء على سبيل الإكرام بدليل قوله [ تعالى ] لموسى - عليه الصلاة والسلام - :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ
[ طه : 13 ] ، وقوله :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] وهذا نهاية الإكرام . قوله تعالى :

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 13 ]

قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) الضمير في « منها » قال ابن عباس : « يريد من الجنّة ؛ لأنه كان من سكّانها » « 4 »
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سيأتي في تفسير سورة ( ص ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 30 . ( 4 ) تقدم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 35 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب