والمعنى أنّه لم يوجد أحد هذه الأمور ، وما امتنعت من ضربي .
وقال القاضي « 1 » : ذكر اللّه المنع وأراد الدّاعي فكأنه قال : ما دعاك إلى ألّا تسجد ؛ لأن مخالفة أمر اللّه تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الدّاعي إليها .
وهذا قول من يتحرج من نسبة الزّيادة إلى القرآن ، وقد تقدّم تحقيقه ، وأنّ معنى الزّيادة على معنى يفهمه أهل العلم ، وإلّا فكيف يدّعي زيادة في القرآن بالعرف العام ؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين .
و « ما » استفهامية في محل رفع بالابتداء ، والخبر الجملة بعدها أي : أي شيء منعك ؟ .
و « أن » في محلّ نصب ، أو جرّ ؛ لأنها على حذف حرف الجرّ إذ التّقدير : ما منعك من السّجود ؟ و « إذ » منصوب ب « تسجد » أي : ما منعك من السّجود في وقت أمري إيّاك به .
فصل في دلالة الأمر
احتجوا بهذه الآية على أنّ الأمر يفيد الوجوب ؛ لأنه تعالى ذمّ إبليس على ترك ما أمر به ، ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به يوجب الذّمّ .
فإن قالوا : هب أنّ هذه الآية تدلّ على أنّ ذلك الأمر كان يفيد الوجوب فلعل تلك الصّيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب ، فلم قلتم : إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك ؟
والجواب : أنّ قوله تعالى
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
يفيد تعليل ذلك الذّم بمجرد ترك الأمر ، لأن قوله : « إذ أمرتك » مذكور في معرض التعليل ، والمذكور في قوله : إذ أمرتك » هو الأمر من حيث إنه أمر لا كونه أمرا مخصوصا في صورة مخصوصة فوجب أن يكون ترك الأمر من حيث إنه أمر موجبا للذم .
فصل في دلالة الأمر على الفور أم التراخي
واحتجّوا أيضا بهذه الآية على أنّ الأمر يقتضي الفور ، قالوا : لأنّه تعالى ذمّ إبليس على ترك السّجود في الحال ، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب الذّمّ بترك السّجود في الحال .
قوله : « أنا خير منه » اعلم أنّ قوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
طلب للدّاعي الذي دعاه إلى ترك السّجود ، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الدّاعي ، وهو أنّه قال : « أنا خير منه » .
قوله : « خلقتني من نّار » لا محلّ لهذه الجملة ؛ لأنها كالتّفسير والبيان للخيريّة ومعناه : أنا لم أسجد لآدم ؛ لأنّي خير منه ومن كان خيرا من غيره فإنّه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسّجود لذلك الأدون ، ثم بيّن المقدّمة الأولى ، وهو قوله « أنا خير منه » بأن قال
هامش
( 1 ) ينظر : الرازي 14 / 27 .