تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
أمّا الآية الأولى : فلأنّ الكلام فيها جاء على التّرتيب الوجودي ، فإنّ وصيّة من قبلنا قبل وصيّتنا ، فلمّا قصد هذا المعنى ، استحال - والحالة هذه - أن يقدر عليه متّصلا . وأما الآية الثّانية : فلأنّه قصد فيها تقدّم ذكر الرّسول ؛ تشريفا له ، وتشنيعا على من تجاسر على مثل ذلك الفعل الفظيع ، فاستحال - والحالة هذه - أن يجاء به متّصلا ، و
« مِنْ قَبْلِكُمْ »
: يجوز أن يتعلّق ب « أوتوا » ، ويجوز أن يتعلّق ب « وصّينا » ؛ والأول أظهر . قوله :
« أَنِ اتَّقُوا »
يجوز في « أن » وجهان : أحدهما : أن تكون مصدريّة على حذف حرف الخفض ، تقديره : بأن اتّقوا ، فلما حذف الحرف جرى فيها الخلاف المشهور . والثاني : أن تكون المفسّرة ؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول ، لا حروفه وهو الوصيّة ، والظاهر أن قوله :
« وَإِنْ تَكْفُرُوا »
جملة مستأنفة ؛ للإخبار بأن هذه الحال ليست داخلة في معمول الوصيّة . وقال الزّمخشري « 1 » :
« وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ »
عطف على « اتّقوا » لأنّ المعنى : أمرناهم ، وأمرناكم بالتّقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا » وفي كلامه نظر ، لأنّ تقديره القول ، ينفي كون الجملة الشرطية مندرجة في حيّز الوصيّة بالنّسبة إلى الصّناعة النّحوية ، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط ، بل قصده هو وتفسير الإعراب ؛ بدليل قوله : عطف على « اتّقوا » ، و « اتّقوا » داخل في حيّز الوصيّة ، سواء أجعلت « أن » مصدريّة أم مفسّرة .

[ فصل في المراد بقوله : « وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ »

] ومعنى [ قوله : ] « 2 »
« أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ »
؛ كقولك : أمرتك الخير ، قال الكسائيّ : يقال : أوصيتك أن افعل « 3 » كذا ، وأن تفعل « 4 » كذا ، ويقال : ألم آمرك أن ائت « 5 » زيدا ، وأن تأتي زيدا ؛ كقوله - تعالى - : [ و ] « 6 »
أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ
[ الأنعام : 14 ] ، وقوله :
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ
[ النمل : 91 ] وتقدّم الكلام على
« وَإِنْ تَكْفُرُوا »
. قوله :
فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
في تعلّقه وجهان : الأول : أنه - تعالى - خالقهم ومالكهم ، والمنعم عليهم بأصناف « 7 » النّعم كلّها ، فحقّ على كل عاقل أن ينقاد لأوامره ونواهيه ، ويرجو ثوابه ، ويخاف عقابه . والثاني :
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
من أصناف المخلوقات من
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 573 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : تفصل . ( 4 ) في أ : تفصل . ( 5 ) في أ : أثبت . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) في ب : بأنواع .