تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
قوله تعالى :
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
« من » يجوز أن تكون شرطية ، فالفاء جوابها ، و « ينتقم » خبر لمبتدأ محذوف ، أي : فهو ينتقم ، ولا يجوز الجزم مع الفاء البتة ، قال : سيبويه : « الفاء » في قوله :
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
، وفي قوله :
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ
[ البقرة : 126 ] ، و
فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً
[ الجن : 13 ] إنّ في هذه الآيات إضمارا مقدّرا ، والتّقدير : ومن عاد فهو ينتقم اللّه منه ومن كفر فأنا أمتّعه ، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف ، وبالجملة فلا بد من إضمار مبتدأ يكون ذلك الفعل خبرا عنه ؛ لأنّ الفعل يصير بنفسه جزاء ، فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه ، فيصير إدخال حرف « الفاء » على الفعل لغوا ، أما إذا أضمرنا المبتدأ ، احتجنا إلى إدخال « الفاء » عليه ؛ ليرتبط بالشّرط فلا تصير « الفاء » لغوا . ويجوز أن تكون « من » موصولة ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ ، لمّا أشبه الشرط ، فالفاء زائدة ، والجملة بعدها خبر ، ولا حاجة إلى إضمار مبتدأ بعد الفاء ؛ بخلاف ما تقدّم . قال أبو البقاء « 1 » : « حسّن دخول الفاء كون فعل الشرط ماضيا لفظا » .

[ فصل في معنى الآية « وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ »

] معنى الآية :
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
: في الآخرة
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
. واعلم : أنّه إذا تكرّر من المحرم قتل الصّيد ، فيتكرر « 2 » عليه الجزاء عند عامّة أهل العلم . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : إذا قتل المحرم صيدا متعمّدا ، يسأل هل قتلت قبلها شيئا من الصّيد ؟ فإن قال : نعم ، لم يحكم عليه ، ويقال : اذهب فينتقم اللّه منك « 3 » . وإن قال : لم أقتل قبله شيئا حكم عليه [ فإن عاد بعد ذلك ، لم يحكم عليه ] « 4 » ، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا ، وكذلك حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صيد « وجّ » - وهو واد بالطّائف - ، واختلفوا في المحرم ، هل يجوز له أكل لحم الصّيد ؟ فذهب قوم إلى أنّه لا يحلّ له بحال ، يروى ذلك عن ابن عبّاس ، وهو قول طاوس ، وبه قال سفيان الثّوري ، لما روى عبد اللّه بن عبّاس عن الصّعب بن جثامة اللّيثيّ : أنّه أهدى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حمارا وحشيّا ، وهو في الأبواء أو بودان ، فردّه رسول صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فلمّا رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما في وجهي ، قال : « إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حرم » « 5 »
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 227 . ( 2 ) في أ : فينفرد . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 62 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 584 ) وزاد نسبته لابن المنذر . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) أخرجه مالك في الموطأ 1 / 353 ، كتاب الحج ، باب ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد ( 83 ) ، والبخاري 5 / 260 ، كتاب الهبة : باب من لم يقبل الهدية لعلة ( 2596 ) ومسلم 2 / 850 ، كتاب الحج : باب تحريم الصيد للمحرم ( 50 - 1193 ) .