تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
فصل معنى الآية : أنّه في جزاء الصّيد مخيّر بين أن يذبح المثل من النّعم ، فيتصدّق باللّحم على مساكين الحرم ، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ويشتري بالدّراهم طعاما ، فيتصدّق بالطّعام على مساكين الحرم ، لكلّ مسكين مدّ من طعام ، أو يصوم عن كلّ مدّ يوما ، وله أن يصوم حيث شاء ؛ لأنّه لا نفع فيه للمساكين . وقال مالك : إن لم يخرج المثل يقوّم الصّيد ، ثمّ تجعل القيمة طعاما ، فيتصدّق به أو يصوم . وقال أبو حنيفة : لا يجب المثل من النّعم ، بل يقوّم الصّيد ، فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النّعم ، وإن شاء إلى الطّعام فيتصدّق به ، وإن شاء صام عن كلّ نصف صاع من برّ أو صاع من غيره يوما . وقال الشّعبي ، والنّخعي : جزاء الصّيد على التّرتيب ، والجمهور على التّخيير ، وأنّ قاتل الصّيد مخيّر في تعيين أحد هذه الثلاثة ، وقال محمّد بن الحسن : التّخيير إلى الحكمين ، لقوله تعالى :
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً
أي : كذا ، أو كذا . وجوابه : أن اللّه أوجب على قاتل الصّيد أحد هذه الثلاثة على التّخيير ، فوجب أن يكون قاتل الصّيد مخيّرا بين أيّها شاء ، وأمّا الذي يحكم به ذوا العدل ، فهو تعيين المثل الخلقة أو القيمة . قوله : « ليذوق » فيه ستة أوجه : أحدها : أنه متعلق ب « جزاء » قاله الزمخشريّ « 1 » ، وقال أبو حيان « 2 » : إنما يتأتّى ذلك حيث يضاف إلى « مثل » ، أو ينوّن « جزاء » ، وينصب « مثل » ، وعلّل ذلك بأنه إذا رفع مثلا ، كان صفة للمصدر ، وإذا وصف المصدر ، لم يعمل إلا أن يتقدّم المعمول على وصفه ؛ نحو : « يعجبني الضّرب زيدا الشّديد » ، فيجوز . قال شهاب الدين « 3 » : وكذا لو جعله بدلا أيضا أو خبرا ؛ لما تقدّم من أنه يلزم أن يتبع الموصول أو يخبر عنه قبل تمام صلته ، وهو ممنوع ، وقد أفهم كلام الشيخ بصريحه ؛ أنه على قراءة إضافة الجزاء إلى « مثل » يجوز ما قاله الزمخشري ، وأنا أقول : لا يجوز ذلك أيضا ؛ لأنّ « ليذوق » من تمام صلة المصدر ، وقد عطف عليه قول ه « أو كفارة أوعدل » ؛ فيلزم أن يعطف على الموصول قبل تمام صلته ؛ وذلك لا يجوز لو قلت : « جاء الذي ضرب وعمرو زيدا » لم يجز للفصل بين الصّلة - أو أبعاضها - والموصول بأجنبيّ ، فتأمّله . الثاني : أنه متعلّق بفعل محذوف يدلّ عليه قوّة الكلام ؛ كأنه قيل : جوزي بذلك ليذوق .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 679 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 25 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 2 / 611 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 527 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب