تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
غيرها ، قال : « فالأولى : أن يكون مستأنفا » ، قال شهاب الدين : أمّا ما جعله خطأ ، فالكلام معه في هذه المسألة في موضوع غير هذا ، وأمّا قوله : « يلزم التقييد » ، فالجواب : أنه إنما ذكرت هذه الحال ؛ لأنّها أشرف أحوالهم ، فخرجت مخرج المدح لهم ، وقوله تعالى :
« رَبَّنا آمَنَّا »
في محلّ نصب بالقول ، وكذلك : « فاكتبنا » إلى قوله سبحانه :
« الصَّالِحِينَ » .
فصل المعنى : يقولون ربّنا آمنّا بما سمعنا وشهدنا بأنّه حقّ ،
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
يريد : أمّة محمّد - عليه الصلاة والسلام - لقوله - تعالى - :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] . وقيل : كلّ من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنّك لا إله غيرك . قوله تعالى :
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
: « ما » استفهامية في محلّ رفع بالابتداء ، و « لنا » جارّ ومجرور خبره ، تقديره : أيّ شيء استقرّ لنا ، و
« لا نُؤْمِنُ »
جملة حالية ، وقد تقدّم الكلام على نظير هذه الآية ، وأنّ بعضهم قال : إنها حال لازمة لا يتمّ المعنى إلا بها ؛ نحو :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[ المدثر : 49 ] ، وتقدّم ما قلته فيه ، فأغنى ذلك عن إعادته ، وقال أبو حيان « 1 » هنا : « وهي المقصود وفي ذكرها فائدة الكلام ؛ وذلك كما تقول : « جاء زيد راكبا » لمن قال : هل جاء زيد ماشيا أو راكبا ؟ » . فصل قوله : « وما جاءنا » في محلّ « ما » وجهان : أحدهما : أنه مجرور نسقا على الجلالة ، أي : باللّه وبما جاءنا ، وعلى هذا فقوله : « من الحقّ » فيه احتمالان : أحدهما : أنه حال من فاعل « جاءنا » ، أي : جاء في حال كونه من جنس الحقّ . والاحتمال الآخر : أن تكون « من » لابتداء الغاية ، والمراد بالحقّ الباري تعالى ، وتتعلّق « من » حينئذ ب « جاءنا » ؛ كقولك : « جاءنا فلان من عند زيد » . والثاني : أنّ محلّه رفع بالابتداء ، والخبر قوله :
« مِنَ الْحَقِّ »
، والجملة في موضع الحال ، كذا قاله أبو البقاء « 2 » ، ويصير التقدير : وما لنا لا نؤمن باللّه ، والحال أنّ الذي جاءنا كائن من الحقّ ، و « الحقّ » يجوز أن يراد به القرآن ؛ فإنه حقّ في نفسه ، ويجوز أن يراد به الباري تعالى - كما تقدم - والعامل فيها الاستقرار الذي تضمّنه قوله « لنا » .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 8 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 224 .