تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
تمييزا ؛ لأنهم لا يشترطون تنكير التمييز ، والأصل : تفيض دمعا ؛ كقولك : « تفقّأ زيد شحما » ، فهو من المنتصب عن تمام الكلام ؟ قيل : إن ذلك لا يجوز ، لأنّ التمييز ، إذا كان منقولا من الفاعلية ، امتنع دخول « من » عليه ، وإن كانت مقدّرة معه ، فلا يجوز : « تفقأ زيد من شحم » ، وهذا - كما رأيت - مجرور ب « من » ؛ فامتنع أن يكون تمييزا ، إلا أن الزمخشريّ في سورة براءة [ الآية 92 ] جعله تمييزا في قوله تعالى :
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
، ولابدّ من نقل نصّه لتعرفه ؛ قال - رحمه اللّه تعالى - :
« تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ »
كقولك : « تفيض دمعا » ، وهو أبلغ من قولك : يفيض دمعها ؛ لأنّ العين جعلت كأنها دمع فائض ، و « من » للبيان ؛ كقولك : « أفديك من رجل » ، ومحلّ الجارّ والمجرور النصب على التمييز » ، وفيه ما قد عرفته من المانعين ، وهو كونه معرفة ، وكونه جرّ ب « من » وهو فاعل في الأصل ، وسيأتي لهذا مزيد بيان ؛ فعلى هذا : تكون هذه الآية الكريمة كتلك عنده ، وهو الوجه الثالث . الرابع : أنّ « من » بمعنى الباء ، أي : تفيض بالدمع ، وكونها بمعنى الباء رأي ضعيف ، وجعلوا منه أيضا قوله تعالى :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
[ الشورى : 45 ] أي : بطرف ؛ كما أنّ الباء تأتي بمعنى « من » ؛ كقوله : [ الطويل ]
2045 - شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت * متى لجج خضر لهنّ نئيج « 1 »
أي : من ماء البحر . قوله :
« مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ »
« من » الأولى لابتداء الغاية ، وهي متعلقة ب « تفيض » ، والثانية يحتمل أن تكون لبيان الجنس ، أي : بيّنت جنس الموصول قبلها ، ويحتمل أن تكون للتبعيض ، وقد أوضح الزمخشريّ هذا غاية الإيضاح ؛ قال « 2 » - رحمه اللّه - : « فإن قلت : أيّ فرق بين « من » و « من » في قوله :
« مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ »
؟ قلت : الأولى لابتداء الغاية ؛ على أنّ الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحقّ ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية : لبيان الموصول الذي هو « ما عرفوا » ، وتحتمل معنى التبعيض ؛ على أنهم عرفوا بعض الحقّ ، فأبكاهم وبلغ منهم ، فكيف إذا عرفوه كلّه ، وقرءوا القرآن ، وأحاطوا بالسنة » . انتهى ، ولم يتعرّض لما يتعلّق به الجارّان ، وهو يمكن أن يؤخذ من قوة كلامه ، ولنزد ذلك إيضاحا ، و « من » الأولى متعلّقة بمحذوف ؛ على أنها حال من « الدّمع » ، أي : في حال كونه ناشئا ومبتدئا من معرفة الحقّ ، وهو معنى قول الزمخشريّ ؛ على أنّ الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحقّ ، ولا يجوز أن يتعلّق ب « تفيض » ؛ لئلا يلزم تعلّق حرفين متّحدين لفظا ومعنى بعامل واحد ؛ فإنّ « من » في
« مِنَ الدَّمْعِ »
لابتداء الغاية ؛ كما تقدّم ، اللهم إلا أن يعتقد كون « من » في
« مِنَ الدَّمْعِ »
للبيان ، أو بمعنى الباء ، فقد يجوز ذلك ، وليس معناه في الوضوح
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : الكشاف 1 / 670 .