تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
ينتظم الجزأين في عمله ، كما تنتظمها « إنّ » في عملها ، فلو رفعت « الصّابئون » المنويّ به التأخير بالابتداء ، وقد رفعت الخبر ب « إنّ » ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين » ، وهو واضح فيما ردّ به ، إلّا أنه يفهم كلامه أنه يجيز ذلك بعد استكمال الخبر ، وقد تقدّم أنّ بعضهم نقل الاجماع على جوازه . وضعّف ابن الخطيب « 1 » ما قاله الزّمخشريّ ، قال : هذا الكلام ضعيف وبيانه من وجوه : الأوّل : أنّ هذه الأشياء التي يسمّيها النّحويّون : رافعة وناصبة ، ليس معناه أنّها كذلك لذواتها ولأعيانها ، فإنّ هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنّهما معرّفان بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرّفات الكثيرة على الشّيء والواحد غير محال ، ألا ترى أنّ جميع أجزاء المحدثات دالّة على وجود اللّه تعالى ؟ الثاني : أنّ هذا الجواب بناء على أنّ كلمة « إنّ » مؤثّرة في نصب الاسم ورفع الخبر ، والكوفيّون ينكرون ذلك ، ويقولون : لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتّة . الثالث : أنّ الأشياء الكثيرة إذا عطفت بعضها على بعض ، فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنهم ؛ لأنّ الخبر عن الشّيء إخبار عن تعريف حاله وبيان صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشّيء وصفته عين حال الآخر وعين صفته ، لامتناع قيام الصّفة الواحدة للذّوات المختلفة ، وإذا ثبت هذا ظهر أنّ الخبر ، وإن كان في اللّفظ واحدا ، لكنّه في التقدير متعدّد ، وإذا حصل التّعدّد في الحقيقة ، لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالخبر ، وبعض بالابتداء بهذا التّقدير ، ولم يلزم اجتماع الرّافعين على مرفوع واحد . والذي يحقّق ذلك أنّه سلّم أنّ بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرّفع والنّصب في المعطوف عليه ، ولا شكّ أنّ هذا المعطوف إنّما جاز ذلك فيه ؛ لأنّا نضمر له خبرا ، وحكمنا بأنّ ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء . وإذا ثبت هذا فنقول : إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسما على اسم ، حكم صريح العقل ، بأنّه لا بدّ من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنّما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة ، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الإلزام . الوجه الخامس : قال الواحديّ : « وفي الآية قول رابع لهشام بن معاوية : وهو أن تضمر خبر « إنّ » ، وتبتدىء « الصّابئون » ، والتقدير : « إنّ الذين آمنوا والذين هادوا يرحمون » على قول من يقول : إنّهم مسلمون ، و « يعذّبون » على قول من يقول : إنهم كفّار ، فيحذف الخبر ؛ إذ عرف موضعه ؛ كما حذف من قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ
[ فصلت : 41 ] ، أي : يعاقبون » ثم قال الواحديّ : وهذا القول قريب من قول البصريّين ، غير أنّهم
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 12 / 45 .