للرياسة ، والجاه وأخذ الرشوة ، والتقرب إلى الملوك ، فإنّهم في دينهم فسّاق لا عدول ، فإن الكافر المبتدع قد يكون عادلا في دينه ، وفاسقا في دينه ، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلهذا خص أكثرهم بهذا الحكم .
الثاني : ذكر أكثرهم لئلّا يظن أن من [ آمن منهم داخل في ذلك ] « 1 » .
قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 60 ]
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 )
قوله تعالى :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ
: قرأ الجمهور ، « أنبّئكم » بتشديد الباء من نبأ ، وقرأ « 2 » إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب « أنبئكم » بالتخفيف من أنبأ وهما لغتان فصيحتان والمخاطب في « أنبئكم » فيه قولان :
أحدهما : وهو الذي لا يعرف أهل التفسير غيره - أن المراد به أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم .
والثاني : أنه للمؤمنين .
قال ابن عطية « 3 » : ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم :
« هَلْ أُنَبِّئُكُمْ »
هم اليهود والكفار ، والمتخذون ديننا هزوا ولعبا . قال ذلك الطبري ، ولم يسند في ذلك [ إلى ] « 4 » متقدم شيئا ، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين . انتهى .
فعلى كونه ضمير المؤمنين واضح ، وتكون « أفعل » التفضيل أعني « بشرّ » على بابها ؛ إذ يصير التقدير : قل هل أنبئكم يا مؤمنون بشر من حال هؤلاء الفاسقين ، أولئك أسلافهم الذين لعنهم اللّه ، وتكون الإشارة بذلك إلى حالهم ، كذا قدره ابن عطية ، وإنما قدّره مضافا ، وهو حال ليصح المعنى ، فإن ذلك إشارة للواحد ، ولو جاء من غير حذف مضاف لقيل : بشر من أولئكم بالجمع .
قال الزمخشري « 5 » : « ذلك » إشارة إلى المنقوم « 6 » ، ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل « من » تقديره : بشرّ من أهل ذلك ، أو دين من لعنه [ اللّه ] انتهى .
ويجوز ألّا يقدر مضاف محذوف لا قبل ولا بعد ، وذلك على لغة من يشير للمفرد والمثنى والمجموع تذكيرا وتأنيثا بإشارة الواحد المذكر ، ويكون « ذلك » إشارة إلى الأشخاص المتقدمين الذين هم أهل الكتاب ، كأنه قيل : بشرّ من أولئك ، يعني أن السّلف الذي لهم شرّ من الخلف ، وعلى هذا يجيء قوله : « من لعنه » مفسرا [ لنفس « ذلك » وإن
هامش
( 1 ) في أ : أمرهم أمر منهم داخل .
( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 210 ، والبحر المحيط 3 / 528 ، والدر المصون 2 / 557 .
( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 211 .
( 4 ) سقط في أ .
( 5 ) ينظر : الكشاف 1 / 651 .
( 6 ) في ب : التقدم .