تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
أما النّقل : فقوله - تعالى - :
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
[ البقرة : 249 ] ، وحكي عن الشيطان قوله
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 62 ] ، وقوله :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ الحجر : 39 ، 40 ] ، ولا شك أن المخلصين قليلون . وأمّا العقل : فهو أنّ الفسّاق والكفّار كلّهم حزب إبليس . إذا ثبت هذا ، فلفظ النّصيب إنّما يتناول القسم الأوّل . فالجواب : أنّ هذا التّفاوت إنّما يحصل في نوع من البشر ، أمّا إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين ، كانت الغلبة للمؤمنين . وأيضا : فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد ، إلّا أن منصبهم عظيم عند اللّه ، والكفّار ، والفسّاق وإن كانوا أكثر في العدد ، فهم كالعدم ؛ فلهذا وقع اسم النّصيب على قوم إبليس . قوله :
« وَلَأُضِلَّنَّهُمْ »
يعني : عن الحقّ ، أو عن الهدى ، وأراد به : التّزيين ، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء . ولأمنّينّهم : بالباطل ، ولآمرنّهم : بالضلال ، كذا قدّره أبو البقاء « 1 » ، والأحسن أن يقدّر المحذوف ، من جنس الملفوظ به ، أي : ولآمرنّهم بالبتك ، ولآمرنّهم بالتّغيير . وقرأ أبو عمرو « 2 » فيما نقل عنه ابن عطيّة : « ولامرنّهم » بغير ألف ، وهو قصر شاذّ لا يقاس عليه ، ويجوز ألّا يقدّر شيء من ذلك ؛ لأنّ القصد : الإخبار بوقوع هذه الأفعال من غير نظر إلى متعلّقاتها ، نحو :
كُلُوا وَاشْرَبُوا
[ الطور : 19 ] .

[ فصل في دلالة قوله « ولأضلّنّهم » على أصلين عظيمين ]

قالت المعتزلة « 3 » : قوله : « ولأضلّنّهم » يدل على أصلين عظيمين : أحدهما : أن المضلّ هو الشّيطان ، وليس المضلّ هو اللّه - تعالى - ؛ لأنّ الشيطان ادّعى ذلك ، واللّه - سبحانه وتعالى - ما كذّبه فيه ، فهو كقوله « 4 » :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ الحجر : 39 ] وقوله :
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 62 ] وقوله :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الأعراف : 16 ] ، وأيضا : فإنه - تعالى - وصفه بكونه مضلّا [ للنّاس ] « 5 » في معرض الذّمّ له ، وذلك يمنع من كون الإله موصوفا بذلك . [ الثاني : أن أهل السّنّة يقولون : الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضّلال ، ونحن نقول : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضّلال ] « 6 » ؛ لأن إبليس وصف نفسه بأنه
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 195 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 114 ، والبحر المحيط 3 / 370 ، والدر المصون 2 / 428 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 38 . ( 4 ) في ب : قوله . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) سقط في أ .