تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فأما أن يقال : المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثّواب على الطّاعات ، فذلك ممّا لا يناسب « 1 » هذا الموضع ، ولا يليق به . فظهر أنّ هذا الاستدلال إنّما قوي في الأوهام ؛ لأن النّاس ما لخّصوا محلّ النّزاع . وأجاب البغوي « 2 » عن استدلالهم بهذه الآية ؛ فقال : ولا حجّة لهم فيه ؛ لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر ، بل ردّا على الذين يقولون : الملائكة آلهة ، لما ردّ على النّصارى قولهم : المسيح ابن اللّه ، وقال ردّا على النّصارى بزعمهم ؛ فإنّهم يقولون بتفضيل الملائكة ، وهذه الآية تدلّ على أنّ طبقات الملائكة مختلفة ؛ لقوله - تعالى - :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
قوله تعالى
فَسَيَحْشُرُهُمْ
الفاء يجوز أن تكون جوابا للشّرط في قوله :
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ
، فإن قيل : جواب « إن » الشرطية وأخواتها غير « إذا » لا بدّ أن يكون محتملا للوقوع وعدمه ، وحشرهم إليه جميعا لا بدّ منه ، فكيف وقع جوابا لها ؟ فقيل في جوابه وجهان : أصحهما : أن هذا الكلام تضمّن الوعد والوعيد ؛ لأنّ حشرهم يقتضي جزاءهم بالثواب أو العقاب ، ويدلّ عليه التفصيل الذي بعده في قوله :
« فَأَمَّا الَّذِينَ »
إلى آخره ، فيكون التقدير : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ، فيعذبه عند حشره إليه ، ومن لم يستنكف ولم يستكبر ، فيثيبه . والثاني : أنّ الجواب محذوف ، أي : فيجازيه ، ثم أخبر بقوله :
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
، وليس بالبيّن ، وهذا الموضوع محتمل أن يكون ممّا حمل على لفظة « من » تارة في قوله : « يستنكف » [ و « يستكبر » ] فذلك أفرد الضمير ، وعلى معناها أخرى في قوله : « فسيحشرهم » ولذلك جمعه ، ويحتمل أنه أعاد الضمير في « فسيحشرهم » على « من » وغيرها ، فيندرج المستنكف في ذلك ، ويكون الرابط لهذه الجملة باسم الشرط العموم المشار إليه ، وقيل : بل حذف معطوفا لفهم المعنى ، والتقدير : فسيحشرهم ، أي : المستنكفين وغيرهم ، كقوله :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 18 ] ، أي : والبرد . و « جميعا » حال ، أو تأكيد عند من جعلها ك « كلّ » وهو الصحيح ، وقرأ الحسن « 3 » : « فسنحشرهم » بنون العظمة ، وتخفيف باء « فيعذّبهم » ، وقرىء « 4 » « فسيحشرهم » بكسر الشين ، وهي لغة في مضارع « حشر » . وقوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ
: قد تقدّم الكلام على نظيرتها ، ولكن هنا سؤال حسن
هامش
( 1 ) في أ : ينتسب . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 503 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 140 ، والبحر المحيط 3 / 420 ، والدر المصون 2 / 471 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 2 / 471 .