تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وقوله تعالى :
وَلَا الْمَلائِكَةُ
عطف على « المسيح » ، أي : ولن يستنكف الملائكة أن يكونوا عبيدا للّه ، وقال أبو حيان « 1 » ما نصّه : « وفي الكلام حذف ، التقدير : ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عبيدا للّه ، فإن ضمّن « عبدا » معنى « ملكا للّه » ، لم يحتج إلى هذا التقدير ، ويكون إذ ذاك
وَلَا الْمَلائِكَةُ
من باب عطف المفردات ، بخلاف ما إذا لحظ في « عبد » معنى الوحدة ، فإن قوله :
وَلَا الْمَلائِكَةُ
يكون [ من ] عطف الجمل ؛ لاختلاف الخبر ، وإن لحظ في قوله :
وَلَا الْمَلائِكَةُ
معنى : « ولا كل واحد من الملائكة » كان من باب عطف المفردات » ، وقال الزمخشريّ « 2 » : « فإن قلت : علام عطف « والملائكة » ؟ قلت : إمّا أن يعطف على « المسيح » ، أو اسم « يكون » ، أو على المستتر في « عبدا » لما فيه من معنى الوصف ؛ لدلالته على العبادة ، وقولك : « مررت برجل عبد أبوه » فالعطف على المسيح هو الظاهر ؛ لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض ، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية ، أو أن يعبد اللّه هو ومن فوقه » ، قال أبو حيان : « والانحراف عن الغرض الذي أشار إليه كون الاستنكاف يكون مختصّا بالمسيح ، والمعنى التامّ إشراك الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكاف عن العبوديّة ، ويظهر أيضا مرجوحيّة الوجهين من وجه دخول « لا » ؛ إذ لو أريد العطف على الضمير في « يكون » أو في « عبدا » لم تدخل « لا » ، بل كان يكون التركيب بدونها ، تقول : « ما يريد زيد أن يكون هو وأبوه قائمين » و « ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو » ، فهذان التركيبان ليسا من مظنّة دخول لا ، وإن وجد منه شيء ، أوّل » . انتهى ، فتحصّل في رفع « الملائكة » ثلاثة أوجه ، أوجهها الأوّل .

[ فصل في استدلال الجمهور بهذه الآية : على أن الملك أفضل من البشر ]

استدلّ الجمهور بهذه الآية : على أنّ الملك أفضل من البشر ، وقد تقدّم الكلام عليه ، في البقرة [ آية 34 ] . وقال ابن الخطيب « 3 » : والذي نقوله ههنا : إنّا نسلّم أنّ اطّلاع الملائكة على المغيّبات أكثر من اطلاع البشر عليهما ، ونسلّم أن قدرة الملائكة على التّصرّف في هذا العالم أشدّ من قدرة البشر ، إنما النّزاع في أنّ ثواب طاعات الملائكة أكثر ، أم ثواب طاعات البشر وهذه الآية لا تدلّ على ذلك ؛ وذلك أن النّصارى إنّما أثبتوا إلهيّة عيسى ؛ لأنه أخبر عن الغيب « 4 » ، وأتى بخوارق العادات ، فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشّبهة ، إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالا في هذا العالم ، وفي هذه القدرة من البشر ، ونحن نقول بموجبه .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 419 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 1 / 597 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 93 . ( 4 ) في ب : الغيوب .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 149 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب