تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
قال القرطبيّ : والصحيح أنّه لا نسخ ، لأنّ النّسخ في الأخبار مستحيل ، وسيأتي الجمع بين الآي ، في هذه السّورة ، وفي الفرقان ، إن شاء اللّه تعالى .

فصل هل يسمى اليهودي مشركا في الشرع ؟

قال ابن الخطيب « 1 » : دلت هذه الآية على أنّ اليهوديّ يسمّى مشركا في الشّرع ؛ لأنها دالّة على أنّ ما سوى الشرك من الكبائر يغفر ، فلو كانت اليهوديّة مغايرة للشّرك ، كانت ] « 2 » مغفورة « 3 » بحكم الآية ، وهو خلاف الإجماع ، ولأنّ هذه الآية متّصلة بوعيد اليهود ، فلو لا دخول اليهودية تحت اسم الشّرك ، لم يحصل الالتئام . فإن قيل : عطف
« الَّذِينَ أَشْرَكُوا » *
على
« الَّذِينَ هادُوا »
في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا
[ الحج : 17 ] ثمّ قال [ بعده ] « 4 » :
« وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا »
يقتضي المغايرة . قلنا : المغايرة في المفهوم اللّغويّ ، والاتّحاد في الشرعي ؛ دفعا للتّناقض ، ويتفرّع عليه أنّ المسلم لا يقتل بالذمّي ؛ لأنّ المشرك مباح الدّم ؛ لقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 5 ] ، ومباح الدّم لا يقتصّ من قاتله ، ولا يتوجّه النّهي عن قتله ، ترك العمل بهذا الدليل في حقّ النهي فبقي « 5 » معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله .

فصل في دلالة الآية على العفو عن أصحاب الكبائر

هذه الآية أقوى الدلائل على صحّة العفو عن أصحاب الكبائر ، من وجوه : الأوّل : أنّ قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
أي لا يغفره فضلا مع عدم التوبة ؛ لأنّه يغفر وجوبا عند التوبة بالإجماع ؛ فيكون قوله :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
على سبيل الفضل ، حتّى يتوارد النّفي والإثبات على معنى واحد ؛ كما لو قال : إنّ فلانا شاء لا يعطي أحدا على سبيل التّفضيل ، ويعطي زيدا ، فهم أنه على سبيل الفضل حتّى لو قال : يعطيه على سبيل فضل الوجوب ، كان ركيكا ، وحينئذ : يجب أن يكون المراد أصحاب الكبائر ، قبل التّوبة ؛ لأنّ عند المعتزلة ، غفران الصّغائر ، والكبائر بعد التّوبة - واجب عقلا ، فلا يمكن حمل الآية عليه ، فلم يبق إلّا الكبائر قبل التّوبة . الثّاني : أنّ ما سوى الشّرك ، يدخل فيه الكبائر قبل التوبة ، وبعدها ، ثمّ حكم على الشّرك بأنّه غير مغفور ، وعلى غير الشّرك بأنّه مغفور لمن يشاء ، فوجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة مغفورة . الثالث : أنّه علّق الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة والصّغيرة مقطوع به ، فوجب أن يكون المعلّق الكبيرة قبل التوبة .
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 100 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : مغفور . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : بقي .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 417 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب