تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
فإن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة ؛ حيث أتبع هذه الآية بقوله :
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ ؟
فالجواب : أن هذه الآية تؤكد ما قلنا ؛ لأنه - تعالى - جعل مجرد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة ، ثم ذكر بعده صفات المطيعين ، وهي كونهم صابرين صادقين ، ولو كانت هذه الصفات شرائط للحصول على المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى ، فلما رتّب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ، ثم ذكر بعده هذه الصفات ، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة ، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات . قوله تعالى :
الصَّابِرِينَ
إن قدرت « الذين يقولون » منصوب المحل ، أو مجروره - على ما تقدم - كان « الصّابرين » نعتا له - على كلا التقديرين ، فيجوز أن يكون في محل نصب ، وأن يكون في محل جر ، وإن قدرته مرفوع المحل تعين نصب « الصّابرين » بإضمار « أعني » .

[ فصل في المراد بالصابرين ]

فصل المراد بالصابرين في أداء المأمورات ، وترك المحظورات ، وعلى البأساء ، والضراء وحين البأس ، والصادقين في إيمانهم . قال قتادة : « هم قوم صدقت نيّاتهم ، واستقامت قلوبهم وألسنتهم ، فصدقوا في السر والعلانية » . فالصدق يجري على القول والفعل والنية ، فالصدق في القول مشهور - وهو تجنّب الكذب - والصدق في الفعل الإتيان به تاما ، يقال : صدق فلان في القتال ، وصدق في الحكمة ، والصدق في النية العزم الجازم حتى يبلغ الفعل . « القانتين » المطيعين ، المصلّين ، والقنوت : عبارة عن الدوام على الطاعة والمواظبة عليها ، « والمنفقين » أموالهم في طاعة اللّه ، ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه ، وأهله ، وأقاربه ، وصلة رحمه ، وفي الزكاة ، والجهاد ، وسائر وجوه البر .
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ .
قال مجاهد وقتادة والكلبيّ : يعني المصلين بالأسحار « 1 » . وعن زيد بن أسلم : هم الذين يصلون الصبح في جماعة « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 265 ) عن قتادة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 266 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 20 ) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 88 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب