تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
ورجّح أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين : أحدهما : هذا ، والآخر : أن ما بعد « إلّا » مثبت ، والمعنى : كان قولهم : ربّنا اغفر لنا دأبهم في الدعاء ، وهو حسن . والمعنى : وما كان قولهم شيئا من الأقوال إلا هذا القول الخاصّ .

[ فصل في معنى الآية ]

فصل معنى الآية : وما كان قولهم عند قتل نبيّهم إلا أن قالوا : ربّنا اغفر لنا ذنوبنا ، والغرض منه تحريض هذه الأمة بالاقتداء بهم . قال القاضي : إنما قدموا طلب المغفرة للذنوب والإسراف ؛ لأنه - تعالى - لما ضمن النّصرة للمؤمنين ، فإذا لم تحصل النصرة ، وظهر أمارات استيلاء العدو ، دلّ ذلك - ظاهرا - على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ، فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النّصرة ، فبيّن - تعالى - أنهم بدءوا بالتوبة عن كل المعاصي ، فقالوا :
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
أي : الصغائر
وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا
أي : الكبائر ؛ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه ؛ قال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الزمر : 63 ] وقال
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
[ الإسراء : 33 ] وقال :
وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
[ الأعراف : 31 ] ويقال : فلان مسرف - إذا كان مكثرا في النفقة . قوله :
فِي أَمْرِنا
يجوز فيه وجهان : الأول : أنه متعلق بالمصدر قبله ، يقال : أسرفت في كذا . الثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنّه حال منه ، أي : حال كونه مستقرا في أمرنا . والأول أوجه . ثم سألوا - بعد ذلك - أن يثبت أقدامهم ، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم ، وهذا يدلّ على أن فعل العبد مخلوق للّه ، والمعتزلة يحملونه على الألطاف . ثم سألوا أن ينصرهم على القوم الكافرين ، وهذه النصرة لا بد فيها من أمر زائد على ثبات أقدامهم . قال القاضي : وهذا تأديب من اللّه - تعالى - في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن ، سواء كان في الجهاد أو غيره . قوله : «
فَآتاهُمُ اللَّهُ
» يقتضي أن اللّه - تعالى - أعطاهم [ الأمرين ] « 1 » أما ثواب الدّنيا فهو : النصرة والغنيمة ، وقهر العدو ، والثناء الجميل ، وانشراح الصدر بنور الإيمان ، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه ثواب الجنة . وقرأ الجحدريّ « 2 » فأثابهم - من لفظ الثواب - وخصّ - تعالى - ثواب الآخرة
هامش
( 1 ) في أ : الأجرين . ( 2 ) انظر : البحر المحيط 3 / 81 ، والدر المصون 2 / 231 ، والقرطبي 4 / 149 .