تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
وذهب الحسن وابن جبير وجماعة إلى أن القتل للرّبّيّين ، قالوا : لأنه لم يقتل نبيّ في حرب قط ونصر الزمخشري هذا بقراءة قتّل - بالتشديد - يعني أنّ التكثير لا يتأتى في الواحد - وهو النبي - وهذا - الذي ذكره الزمخشريّ - سبقه إليه ابن جني - وسيأتي تأويله - . وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : قتل - مبنيا للمفعول - وقتادة كذلك ، إلا أنه شدد التاء « 1 » ، وباقي السبعة : قاتل ، وكل من هذه الأفعال يصلح أن يرفع ضمير « نبيّ » وأن يرفع « ربّيّون » - كما تقدم تفصيله - . وقال ابن جني : إنّ قراءة : قتّل - بالتّشديد - يتعين أن يسند الفعل فيها إلى الظاهر - أعني : « ربّيّون » - قال : لأنّ الواحد لا تكثير فيه . قال أبو البقاء : « ولا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول ؛ لأنه في معنى الجماعة » . يعني أن « من نبيّ » المراد به الجنس ، فالتكثير بالنسبة لكثرة الأشخاص ؛ لا بالنسبة إلى كل فرد ؛ إذ القتل لا يتكثر في كلّ فرد . وهذا الجواب - الذي أجاب به أبو البقاء - استشعر به أبو الفتح ، وأجاب عنه ، قال : فإن قيل : فهلّا جاز فعّل ؛ حملا على معنى « كم » ؟ فالجواب : أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله : « من نبيّ » ودلّ الضمير المفرد « معه » على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد ، فخرج الكلام على معنى « كم » . قال : في هذه القراءة دلالة على أنّ من قرأ من السّبعة « قتل » أو « قاتل معه ربّيّون » فإن « ربّيّون » مرفوع في قراءته ب « قتل » أو « قاتل » وليس مرفوعا بالابتداء ، ولا بالظرف ، الذي هو « معه » . قال أبو حيّان : « وليس بظاهر ؛ لأن « كأين » مثل « كم » وأنت خبير إذا قلت : كم من عان فككته ، فأفردت ، راعيت لفظ « كم » ومعناها جمع ، فإذا قلت : فككتهم ، راعيت المعنى ، وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت الضمير ، والمراد به الجمع . فلا فرق من حيث المعنى - بين فككته وفككتهم ، كذلك لا فرق بين قتل معه ربيون ، وقتل معهم ربيون ، وإنما جاز مراعاة اللفظ تارة ، ومراعاة المعنى تارة ؛ لأن مدلول « كم » و « كأين » كثير ، والمعنى : جمع كثير ، وإذا أخبرت عن جمع كثير فتارة تفرد ؛ مراعاة للفظ ، وتارة تجمع ؛ مراعاة للمعنى ، كما قال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 44 و 45 ] ، فقال : « منتصر » وقال : « ويولّون » فأفرد في « منتصر » وجمع في « يولّون » . ورجح بعضهم قراءة « قاتل » لقوله - بعد ذلك - :
فَما وَهَنُوا
قال : وإذا قتلوا ، فكيف يوصفون بذلك ؟ إنما يوصف بهذا الأحياء ؟
هامش
( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 520 ، والبحر المحيط 3 / 78 ، والدر المصون 2 / 228 .