تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
المستقبل ، وهذا حقيقة التوبة ، فأما الاستغفار باللسان ، فلا أثر له في إزالة الذنب ، بل يجب إظهار هذا الاستغفار ، لإزالة التهمة . وقوله :
لِذُنُوبِهِمْ
أي : لأجل ذنوبهم . قوله :
وَمَنْ يَغْفِرُ
استفهام بمعنى : النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء . قوله :
إِلَّا اللَّهُ
بدل من الضمير المستكن في « يغفر » ، والتقدير : لا يغفر أحد الذنوب إلا اللّه تعالى ، والمختار - هنا - الرفع على البدل ، لكون الكلام غير إيجاب . وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
[ البقرة : 130 ] . وقال أبو البقاء « من » مبتدأ ، « يغفر » خبره ، و « إلا الله » فاعل « يغفر » ، أو بدل من المضمر فيه ، وهو الوجه ؛ لأنك إذا جعلت « اللّه » فاعلا ، احتجت إلى تقدير ضمير ، أي : ومن يغفر الذنوب له غير اللّه . قال شهاب الدين : « وهذا الذي قاله - أعني : جعله الجلالة فاعلا - يقرب من الغلط ؛ فإن الاستفهام - هنا - لا يراد به حقيقته ، إنما يراد « النفي » ، والوجه ما تقدم من كون الجلالة بدلا من ذلك الضمير المستتر ، والعائد على « من » الاستفهامية » . ومعنى الكلام أن المغفرة لا تطلب إلا من اللّه ؛ لأنه القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة العقاب عنه . قوله :
وَلَمْ يُصِرُّوا
يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل
فَاسْتَغْفَرُوا
أي : استغفروا غير مصرّين ، ويجوز أن تكون هذه الجملة منسوقة على
فَاسْتَغْفَرُوا
أي : ترتب على فعلهم الفاحش ذكر اللّه تعالى ، والاستغفار لذنوبهم ، وعدم إصرارهم عليها ، وتكون الجملة من قوله :
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ -
على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني ، وبين الحال وذي الحال على الوجه الأول .

[ فصل في أصل الإصرار ]

فصل وأصل الإصرار : الثبات على الشيء . قال الحسن : إتيان العبد ذنبا عمدا إصرار ، حتى يتوب « 1 » . وقال السّدّي : الإصرار : السكوت وترك الاستغفار « 2 » . وعن أبي نصيرة قال : لقيت مولى لأبي بكر ، فقلت له : أسمعت من أبي بكر شيئا ؟
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 224 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 139 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 224 ) وابن أبي حاتم كما في « الدر المنثور » ( 2 / 139 ) عن السدي . وذكره أبو حيان في « البحر المحيط » ( 3 / 65 ) .