تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
الثاني : أنها نزلت بسبب أنه صلى اللّه عليه وسلم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا ، فمنعه اللّه من ذلك قاله ابن عباس . الثالث : أنه صلى اللّه عليه وسلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين انهزموا ، وخالفوا أمره ، ويدعو لهم ، فنزلت الآية . القول الثاني : أنها نزلت في واقعة أخرى ، وهي أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث جمعا من خيار أصحابه - وهم سبعون رجلا من القرّاء إلى بئر معونة ، في صفر سنة أربع من الهجرة ، على رأس أربعة أشهر من أحد ، ليعلّموا الناس القرآن والعلم ، أميرهم المنذر بن عمرو ، فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره فقتلهم ، فوجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا ، وقنت شهرا في الصلوات كلّها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين ، فنزلت الآية ، قاله مقاتل وأكثر العلماء متفقون على أنها في قصة أحد . فإن قيل : ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت للمنع من أمر كان صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يفعله ، وذلك الفعل إن كان بأمر اللّه ، فكيف يمنعه منه ؟ وإن كان بغير أمر اللّه ، فكيف يصح هذا مع قوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم : 3 ] ؟ وأيضا فالآية دالة على عصمة الأنبياء ، فالأمر الممنوع منه في هذه الآية ، إن كان حسنا فلم منعه اللّه ؟ وإن كان قبيحا ، فكيف يكون فاعله معصوما ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع كان مشتغلا به ؛ فإنه تعالى - قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] ، وإنه صلى اللّه عليه وسلم لم يشرك قط ، وقال : « يا أيها النبي اتق اللّه » وهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي اللّه ، ثم قال :
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
[ الأحزاب : 1 ] ، وهذا لا يدل على أنه أطاعهم ، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغمّ الشديد ، والغضب العظيم ، وهو قتل عمه حمزة ، وقتل المسلمين . والظاهر أن هذا الغضب يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل ، فنصّ اللّه على المنع ؛ تقوية لعصمته ، وتأكيدا لطهارته . والثاني : لعله صلى اللّه عليه وسلم همّ أن يفعل ، لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل ، والأولى ، فلا جرم ، أرشده اللّه تعالى إلى اختيار الأولى ، ونظيره قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
[ النحل : 126 - 127 ] فكأنه - تعالى - قال : إن كان لا بد أن تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل ، ثم قال ثانيا : وإن تركته كان ذلك أولى ، ثم أمره أمرا جازما بتركه ، فقال :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
[ النحل : 127 ] . ووجه ثالث : وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم لما مال قلبه إلى اللعنة عليهم ، استأذن ربه فيه ، فنزلت الآية بالنص على المنع . وعلى هذا التقدير ، فلا يدل هذا النهي على القدح في العصمة .