تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
إلى مقاتلة الناس مع الكفار ؟ ثم بتقدير حضوره ، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة ؟ الثاني : أن أكابر الكفار كانوا مشهورين ، وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم ، وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة . الثالث : أن الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس ، أو لا ، فإن رآهم الناس ، فإما أن يروهم في صورة الناس ، أو في صورة غيرهم ، فإن رأوهم في صورة الناس ، صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف أو أكثر ، ولم يقل بذلك أحد ؛ لأنه مخالف لقوله تعالى :
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
[ الأنفال : 44 ] وإن شاهدوهم في صور غير صور الناس ، لزم وقوع الرّعب الشديد في قلوب الخلق ؛ لأن من شاهد الجن ، لا شك أنه يشتد فزعه - ولم ينقل ذلك البتة - وإن لم يروهم ، فعلى هذا التقدير إذا حاربوا ، وحزوا الرؤوس ، وشقّوا البطون ، وأسقطوا الكفار عن الأفراس ، فحينئذ إذا شاهد الكفار هذه الأفعال مع أنهم لم يشاهدوا أحدا من الفاعلين ، وهذا يكون من أعظم المعجزات ، فيجب أن لا يبقى منهم كافر ولا متمرد ، ولما لم يوجد شيء من ذلك عرف فساده . الرابع : أن الملائكة الذين نزلوا ، إما أن يكونوا أجساما لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم الكل كرؤية غيرهم ، ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك ، وإن كانت لطيفة مثل الهواء - لم يكن فيهم صلابة وقوة ، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول . والجواب : أن نص القرآن ناطق بها ، وقد وردت في الأخبار قريب من التواتر قال عبد اللّه بن عمير « 1 » لما رجعت قريش من أحد ، جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ، ويقولون : لم نر الخيل البلق ، ولا الرجال البيض الذين كنّا نراهم يوم بدر « 2 » . وقال سعد بن أبي وقاص : رأيت عن يمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض « 3 » ، ما رأيتهما قبل ، ولا بعد . قال سعد بن إبراهيم : يعني : جبريل وميكائيل . وهذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوة ، فأما من يقرّ بهما ، فلا يليق به شيء من هذا ، وهذه الشبهة إذا قابلناها بكمال قدرة اللّه - تعالى - زالت ؛ فإنه - تعالى - يفعل ما يشاء ؛ لأنه قادر على جميع الممكنات .

[ فصل في اختلافهم في كيفية نصرة الملائكة ]

فصل اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة .
هامش
( 1 ) في الرازي 8 / 186 عبد اللّه بن عمر . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره 8 / 186 . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 1 / 248 ) والقرطبي 4 / 125 .