تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
الأول : أنه لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح ، استدل عليه بأن فاعل القبيح ، إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو للعجز ، أو للحاجة ، وكل ذلك - على اللّه - محال ؛ لأنه مالك لكل ما في السماوات وما في الأرض وهذه المالكية تنافي العجز والجهل والحاجة ، فامتنع كونه فاعلا للقبيح . الثاني : أنه لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه ، كان لقائل أن يقول : إنا نشاهد وجود الظلم في العالم ، فإذا لم يكن وقوعه بإرادة اللّه - تعالى - كان على خلاف إرادته ، فيلزم منه كونه ضعيفا عاجزا مغلوبا ، وذلك محال . فأجاب اللّه - تعالى - بقوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلم عن الظالم - على سبيل الإلجاء والقهر - وإذا كان قادرا على ذلك لا يكون عاجزا ، ضعيفا ؛ إلا أنه - تعالى - أراد منهم ترك المعصية - اختيارا - ليستحقوا الثواب ، فلو قهرهم على الترك لبطلت هذه الفائدة . وأجيب بأن المراد من الآية أنه - تعالى - لا يريد أن يظلم أحدا من عباده . وقوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
يدل على كونه خالقا لأفعال العباد ؛ لأن أفعال العباد من جملة ما في السماوات وما في الأرض . وأجاب الجبائي : بأن قوله : « وللّه » إضافة ملك ، لا إضافة فعل ، ألا ترى أنه يقال : هذا البناء لفلان . ويريدون أنه مملوكه ، لا أنه مفعوله ، وأيضا فالمقصود من الآية تعظيم اللّه - تعالى - لنفسه ، وتمدّحه لإلهية نفسه ، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الأفعال القبيحة ، وأيضا فقوله :
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ،
إنّما يتناول ما كان مظروفا في السماوات والأرض ، وذلك من صفات الأجسام ، لا من صفات الأفعال التي هي أعراض . وأجيب بأن هذه إضافة الفعل ؛ لأن القادر على الحسن والقبيح ، لا يرجح الحسن على القبيح إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى الفعل الحسن ، وتلك الداعية حاصلة بتخليق اللّه - تعالى - دفعا للتسلسل ، ولمّا كان المؤثّر في حصول فعل العبد هي مجموع القدرة والداعية بخلق اللّه - تعالى - ثبت أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى . وقوله :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
المراد منه رجوع الخلق إلى حكمه وقضائه ، لا لحكم غيره . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 110 ]

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 ) في « كان » هذه - ستة أقوال :