تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
قال الزمخشريّ : فإن قلت : كيف موقع قوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
بعد قوله :
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ ؟
قلت : موقع الاستئناف ، كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل : هم فيها خالدون ، لا يظنعون عنها ، ولا يموتون . فإن قيل : الكفّار مخلّدون في النار ، كما أن المؤمنين مخلّدون في الجنة ، فما الحكمة في ذكر خلود المؤمنين ولم يذكر خلود الكافرين ؟ فالجواب : أن ذلك يشعر بأنّ جانب الرحمة أغلب ؛ لأنه ابتدأ بذكر أهل الرحمة ، وختم بهم ، لمّا ذكر العذاب لم يضفه إلى نفسه ، بل قال :
فَذُوقُوا الْعَذابَ ،
وأضاف ذكر الرحمة إلى نفسه ، فقال :
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ ،
ولما ذكر العذاب ما نصّ على الخلود ، ونصّ عليه في جانب الرحمة ، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم ، فقال :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
ولما ذكر الثواب علّله برحمته ، فقال :
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ
ثم قال - في آخر الآية - :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ
[ آل عمران : 108 ] ، وكل ذلك يشعر بأن جانب الرحمة مغلّب . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 108 إلى 109 ]

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) قوله : « تلك » مبتدأ ،
آياتُ اللَّهِ
خبره ، و « نتلوها » جملة حالية . وقيل :
آياتُ اللَّهِ
بدل من « تلك » ، و « نتلوها » جملة واقعة خبر المبتدأ ، و « بالحقّ » حال من فاعل « نتلوها » ، أو مفعولة ، وهي حال مؤكدة ؛ لأنه - تعالى - لا ينزلها إلا على هذه الصفة . وقال الزّجّاج « 1 » : « في الكلام حذف ، تقديره : تلك آيات القرآن حجج اللّه ودلائله » . قال أبو حيان : فعلى هذا الذي قدّره يكون خبر المبتدأ محذوفا ؛ لأنه عنده بهذا التقدير يتم معنى الآية ، وهذا التقدير لا حاجة إليه ؛ [ إذ الكلام مستغن عنه ، تامّ بنفسه ] « 2 » . والإشارة ب « تلك » إلى الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار ، وتنعيم الأبرار ، وإنما جاز إقامة « تلك » مقام هذه ؛ لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر ، فصارت كأنها بعدت ، فقيل فيها : « تلك » . وقيل : لأن اللّه - تعالى - وعده أن ينزل عليه كتابا مشتملا على ما لا بدّ منه في الدين ، فلما أنزل هذه الآيات قال : تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك . وقرأ العامة
« نَتْلُوها »
- بنون العظمة - وفيه التفات من الغيبة إلى التكلّم .
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 466 . ( 2 ) في أ : إذ المعنى تام بدونه .