تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
قال الأزهريّ : « يقال : أنقذته ، ونقذته ، واستنقذته ، وتنقّذته بمعنى ويقال : فرس نقيذ ، إذا كان مأخوذا من قوم آخرين ؛ لأنه استنقذ منهم » . والحفرة : فعلة بمعنى : مفعولة ، كغرفة بمعنى : مغروفة . فصل قيل معناه : إنكم كنتم مشرفين على جهنم بكفركم ؛ لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار ، فجعل استحقاقهم النار بكفرهم ، كالإشراف منهم على النار ، والمصير منهم إلى حرفها ، فبيّن - تعالى - أنه أنقذهم من هذه الحفرة ، بعد أن قربوا من الوقوع فيها . قالت المعتزلة : ومعنى ذلك أن اللّه - تعالى - لطف بهم بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وسائر ألطافه حتى آمنوا . وقال أهل السنة : جميع الألطاف مشترك بين المؤمن والكافر ، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار ، واللّه - تعالى - حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار ، فدل هذا على أنه خالق أفعال العباد . قوله تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
نعت لمصدر محذوف ، أو حال من ضميره ، أي : يبين اللّه لكم تبيينا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة ، لكي تهتدوا بها . قال الجبائي : « الآية تدل على أنه - تعالى - يريد منهم الاهتداء » . قال الواحدي : إن المعنى : لتكونوا على رجاء هدايته . وهذا فيه ضعف ؛ لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد اللّه منهم ذلك الرجاء ، وعلى مذهبنا قد لا يريده . وأجاب غيره بأن كلمة « لعلّ » للترجي ، والمعنى : أنا فعلنا فعلا يشبه فعل من يترجى ذلك . قوله :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
اعلم أنه - تعالى - لما عاب على أهل الكتاب كفرهم وسعيهم في تكفير الغير خاطب المؤمنين بتقوى اللّه والإيمان به ، فقال :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة ، فقال :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
يجوز أن تكون التامة ، أي : ولتوجد منكم أمة ، فتكون « أمّة » : فاعلا ، و « يدعون » : جملة في محل رفع صفة ل « أمة » ، و « منكم » متعلق ب « تكن » على أنها تبعيضية . ويجوز أن يكون : « منكم » متعلّقا بمحذوف على أنه حال من « أمّة » إذ كان يجوز جعله صفة لها لو تأخر عنها . ويجوز أن تكون « من » للبيان ؛ لأن المبيّن - وإن تأخر لفظا - فهو متقدم رتبة . ويجوز أن تكون الناقصة ، ف « أمة » اسمها ، و « يدعون » خبرها ، و « منكم » متعلق إمّا بالكون ، وإمّا بمحذوف على الحال من « أمة » .