تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
قال أبو حيان : « ويظهر أنه متعلّق بقوله :
كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ،
أي : من قبل أن تنزّل التوراة ، وفصل بالاستثناء ؛ إذ هو فصل جائز ، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن ، في جواز أن يعمل ما قبل « إلا » فيما بعدها إذا كان ظرفا أو مجرورا أو حالا - نحو ما جلس إلا زيد عندك ، ما أوى إلا عمرو إليك ، وما جاء إلا زيد ضاحكا . وأجاز الكسائي ذلك في المنصوب مطلقا ، نحو ما ضرب إلا زيد عمرا ؛ وأجاز ذلك هو وابن الأنباري في المرفوع ، نحو ما ضرب إلا زيدا عمرو ، وأما تخريجه على غير مذهب الكسائي وأبي الحسن ، فيقدّر له عامل من جنس ما قبله ، تقديره - هنا - حل من قبل أن ينزل أي تنزل التوراة » . وقرىء :
تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
بتخفيف الزاي وتشديدها ، وكلاهما بمعنى واحد ، وهذا يرد قول من قال بأن « تنزّل » - بالتشديد - يدل على أنه نزل منجّما ؛ لأن التوراة إنّما نزلت دفعة واحدة بإجماع المفسرين .

[ فصل في وجوه شبهات أهل الكتاب ]

فصل لما تقدمت الآيات الدالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والإلزامات الواردة على أهل الكتاب ، بين في هذه الآية الجواب عن شبهاتهم ، وهي تحتمل وجوها : روي أن اليهود كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم على إنكار النسخ ، فأبطل اللّه - تعالى - عليهم ذلك بأن كل الطعام كان حلّا لبني إسرائيل ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فذلك الذي حرمه على نفسه كان حلالا ، ثم صار حراما عليه وعلى أولاده ، فحصل النسخ ، وبطل قولكم : النسخ غير جائز ، فلما توجّه على اليهود هذا السؤال أنكروا أن تكون حرمة ذلك الطعام الذي حرّم بسبب أن إسرائيل حرّمه على نفسه ، بل زعموا أن ذلك كان حراما من زمان آدم إلى زمانهم ، فعند هذا طلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم منهم أن يحضروا التوراة ؛ فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرّم بسبب أن إسرائيل حرّمه على نفسه ، فخافوا من الفضيحة ، وامتنعوا من إحضار التوراة ، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوّي القول بنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . منها : أن النسخ قد ثبت لا محيص عنه ، وهم ينكرونه . ومنها : ظهور كذبهم للناس ، فيما نسبوه إلى التوراة . ومنها : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أمّيّا ، لا يقرأ ولا يكتب ، فدل على أنه لم يعرف هذه المسألة الغامضة إلا بوحي من اللّه تعالى . الوجه الثاني : أن اليهود قالوا له : إنك تدّعي أنك على ملة إبراهيم ، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم ، فلست أنت على ملة إبراهيم ، فجعلوا ذلك شبهة طاعنة في صحة دعواه ، فأجابهم النبي صلى اللّه عليه وسلم على هذه الشبهة ،