تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
قبل « لا » النافية ، وإذا قدرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي ب « لا » مصدر منفي ، فيصير المعنى : ما كان لبشر موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا - وإذا لم يكن له انتفاء الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك ، وهو خطأ بيّن . أما إذا جعل « لا » لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خطأ ، ولا عدم التئام المعنى ؛ وذلك أنه يصير النفي مستحبا على المصدرين المقدّر ثبوتهما ، فينتفي قوله :
كُونُوا عِباداً لِي
وينتفي أيضا أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا . ويوضّح هذا المعنى وضع « غير » موضع « لا » فإذا قلت : ما لزيد فقه ولا نحو . كانت « لا » لتأكيد النفي ، وانتفى عنه الوصفان ، ولو جعلت « لا » لتأسيس النفي كانت بمعنى « غير » فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه ، وثبوت النحو له ؛ إذ لو قلت : ما لزيد فقه غير نحو ، كان في ذلك إثبات النحو له ، كأنك قلت : ما له غير نحو ، ألا ترى أنك إذا قلت : جئت بلا زاد ، كان المعنى : جئت بغير زاد وإذا قلت : ما جئت بغير زاد ، معناه أنك جئت بزاد ؛ لأن « لا » هنا لتأسيس النفي ، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم التئام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين ، وهو أن يكون « لا » لتأسيس النفي لا لتأكيده ، وأن يكون من عطف المنفي ب « لا » على المثبت الداخل عليه النفي نحو : ما أريد أن تجهل وألا تتعلم ، تريد : ما أريد أن لا تتعلم » . وتابع الزمخشريّ الطبريّ في عطف « يأمركم » على « يقول » وجوّز في « لا » الداخلة عليه وجهين : أحدهما : أن يكون لتأسيس النفي . الثاني : أنها مزيدة لتأكيده ، فقال : وقرىء
وَلا يَأْمُرَكُمْ
بالنصب ؛ عطفا على « ثمّ يقول » « 1 » وفيه وجهان : أحدهما : أن تجعل « لا » مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله :
ما كانَ لِبَشَرٍ .
والمعنى : ما كان لبشر أن يستنبئه اللّه تعالى ، وينصّبه للدعاء إلى اختصاص اللّه بالعبادة وترك الأنداد ، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا لهم ، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، كقولك : ما كان لزيد أن أكرمه ، ثم يهينني ولا يستخف بي . والثاني : أن يجعل « لا » غير مزيدة ، والمعنى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما قالوا له : أنتخذك ربّا ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يستنبئه اللّه ثم يأمر الناس بعبادته ، وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء . قال شهاب الدين : « وكلام الزمخشري صحيح ، ومعناه واضح على كلا تقديري كون « لا » لتأسيس النفي وتأكيده فكيف يجعل الشيخ كلام الطبريّ فاسدا على أحد
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 378 .