تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
ومنها : دوّم الطائر ، إذا حلّق ودار . قوله : « عليه » متعلق ب « قائما » وفي المراد بالقيام - هنا - وجهان : الأول : الحقيقة ، وهو أن يقوم على رأس غريمه ، ويلازمه بالمطالبة ، وإن أخّره أنكر . قال القرطبيّ : استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
وأباه سائر العلماء واستدلّ بعضهم على حبس المديان بقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
فإذا كان له ملازمته ، ومنعه من التصرف ، جاز حبسه . وقيل معنى : إلا ما دمت عليه قائما أي : بوجهك ، فيها بك ، ويستحيي منك ، فإن الحياء في العينين ألا ترى قول ابن عباس رضي اللّه عنه : لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياة في العينين وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك ، حتى يستحيي فيقضيها . الثاني : المجاز . قال ابن عباس : المراد من هذا القيام ، الإلحاح ، والخصومة ، والتقاضي ، والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه ، والتارك له يبعد عنه ، بدليل قوله تعالى :
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ
أي : عاملة بأمر اللّه ، غير تاركة . ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر : قام به - وإن لم يكن ثمّ قيام - وقال : أبو علي الفارسي : القيام - في اللغة - بمعنى الدوام والثبات ، كما ذكرناه في قوله تعالى :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[ النمل : 3 ] ومنه قوله :
دِيناً قِيَماً
[ الأنعام : 161 ] ، أي : دائما ثابتا لا ينسخ فمعنى الآية : دائما ، ثابتا في مطالبتك .

[ فصل في دلالة الآية على انقسام أهل الكتاب إلى قسمين ]

فصل دلّت الآية على انقسام أهل الكتاب إلى قسمين : أهل أمانة ، وأهل خيانة . فقيل : أهل الأمانة هم الذين أسلموا ، وأهل الخيانة : هم الذين لم يسلموا . وقيل : أهل الأمانة هم النصارى وأهل الخيانة : هم اليهود . وروى الضحاك عن ابن عباس - في هذه الآية
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
يعني عبد اللّه بن سلام ، [ أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب ، فأداه .
وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
يعني : فنحاص بن عازوراء ] « 1 » « 2 » ، استودعه رجل من قريش دينارا ، فخانه .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 520 ) مفرقا عن قتادة ومجاهد . ( 2 ) سقط في أ .