تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
النصرانية التي جاء بها عيسى - فإنّ أديان الأنبياء كلّها لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول ، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم صاحب شرع البتة ، بل كان مقرّرا لدين غيره ، وأيضا فمن المعلوم بالضرورة أن التعبّد بالقرآن ما كان موجودا في زمان إبراهيم ، وتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا ، وغير مشروعة في صلاتهم . فالجواب : أنه يجوز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه بيان أنه ما كان موافقا في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا . ويجوز أن يقال : المراد به الموافقة في الفروع ، وذلك لأن اللّه نسخ تلك الشرائع بشرع موسى ، ثم زمان محمد صلى اللّه عليه وسلم نسخ شرع موسى بتلك الشرائع التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم عليه السلام - وعلى هذا التقدير يكون - عليه السلام - صاحب الشريعة ، ثم لمّا كان غالب شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم موافقا لشرع إبراهيم ، جاز إطلاق الموافقة عليه ، ولو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة . قوله :
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ،
« إبراهيم » متعلّق به « أولى » و « أولى » أفعل تفضيل ، من الولي ، وهو القرب ، والمعنى : إنّ أقرب الناس به ، وأخصهم ، فألفه منقلبة عن ياء ، لكون فائه واوا ، قال أبو البقاء : وألفه منقلبة عن ياء ، لأن فاءه واو ، فلا تكون لامه واوا ؛ إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو - يعني اسم حرف التهجّي - كالوسط من قول - أو اسم حرف المعنى - كواو النسق - ولأهل التصريف خلاف في عينه ، هل هي واو - أيضا - أو ياء . و
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
خبر « إن » و
وَهذَا النَّبِيُّ
نسق على الموصول ، وكذلك :
وَالَّذِينَ آمَنُوا ،
والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنون - رضي اللّه عنهم - وإن كانوا داخلين فيمن اتبع إبراهيم إلا أنهم خصّوا بالذّكر ؛ تشريفا ، وتكريما ، فهو من باب قوله تعالى :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] . حكى الزمخشريّ أنه قرىء :
وَهذَا النَّبِيُّ
- بالنصب والجر « 1 » - فالنصب نسقا على مفعول
اتَّبَعُوهُ
فيكون النبي صلى اللّه عليه وسلم قد اتّبعه غيره - كما اتبع إبراهيم - والتقدير : للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيّ ، ويكون قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا
نسقا على قوله :
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ .
والجر نسقا على « إبراهيم » أي : إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي ، للّذين اتّبعوه ، وفيه نظر من حيث إنه كان ينبغي أن يثنّى الضمير في « اتّبعوه » فيقال : اتبعوهما ، اللهم إلا
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 371 ، ونسب ابن خالويه في الشواذ 21 رواية النصب إلى أبي السمال العدوي .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 307 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب