تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
الثاني : أن يكون الخبر مضمرا ، تقديره : وما من إله لنا إلا اللّه ، و
إِلَّا اللَّهُ
بدل من موضع
مِنْ إِلهٍ ،
لأن موضعه رفع بالابتداء ، ولا يجوز في مثله الإبدال من اللفظ ، لئلّا يلزم زيادة « من » في الواجب ، وذلك لا يجوز عند الجمهور . ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد « إلّا » على الاستثناء ، ولكن لم يقرأ به ، إلا أنّه جائز لغة أن يقال لا إله إلّا اللّه - برفع لفظ الجلالة بدلا من الموضع ، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر ؛ إذ التقدير : لا إله استقر لنا إلا اللّه . وقال بعضهم : دخلت « من » لإفادة تأكيد النفي ؛ لأنك لو قلت : ما عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس . فإذا قلت : ما عندي من الناس من أحد ، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون عندك كلهم أولى ، فثبت أن قوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ
مبالغة في أنه لا إله إلا اللّه الواحد الحقّ . قوله :
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
كقوله :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النّصارى ، لأن اعتمادهم على أمرين : أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فكأنه - تعالى - قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية ، بل لا بدّ وأن يكون عزيزا ، غالبا ، لا يدفع ، ولا يمنع ، وأنتم اعترفتم بأن عيسى - عليه السلام - ما كان كذلك ، بل قلتم : إنّ اليهود قتلوه . والثاني : أنهم قالوا : إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها ، فكأنه - تعالى - قال : هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون حكيما ، أي : عالما بجميع المعلومات ، وبجميع عواقب الأمور . فذكر العزيز الحكيم - هاهنا - إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ، ونظير هذه الآية ما ذكر تعالى في أول السورة من قوله :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ آل عمران : 6 ] . وقوله :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
يجوز أن يكون مضارعا - حذفت منه إحدى التاءين ، تخفيفا - على حدّ قراءة :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ
[ القدر : 4 ] و
تَذَكَّرُونَ
[ الأنعام : 152 ] - ويؤيد هذا نسق الكلام ، ونظمه في خطاب من تقدم في قوله :
تَعالَوْا
ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم : فإن تولّوا . قال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون مستقبلا ، تقديره : تتولوا - ذكره النّحّاس - وهو ضعيف ؛ لأن حرف المضارعة لا يحذف » . قال شهاب الدين : « وهذا ليس بشيء ؛ لأن حرف المضارعة يحذف - في هذا النحو - من غير خلاف . وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة » .