تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠

[ فصل في دلالة العقل على أنه لا بد للناس من والد أول ]

فصل اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول ، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوقا بوالد لا إلى أول ، وهو محال ، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم . لقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
[ النساء : 1 ] ثم إنه - تعالى - ذكر في كيفية خلق آدم وجوها كثيرة : أحدها : أنه مخلوق من التراب - كما في هذه الآية . الثاني : أنه مخلوق من الماء ، قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً
[ الفرقان : 54 ] . الثالث : أنه مخلوق من الطين ، [ قال تعالى :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
] « 1 » [ السجدة : 7 ] . رابعها : أنه مخلوق من سلالة من طين ، قال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
[ المؤمنون : 12 ] . خامسها : أنه مخلوق من طين لازب ، قال تعالى :
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ
[ الصافات : 11 ] . سادسها : أنه مخلوق من صلصال من حمأ مسنون . سابعها : أنه [ خلق ] « 2 » من عجل . ثامنها : قال تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
[ البلد : 4 ] . قال الحكماء : إنما خلق آدم من التراب ؛ لوجوه : الأول : ليكون متواضعا . الثاني : ليكون ستّارا . الثالث : إذا كان من الأرض ليكون أشدّ التصاقا بالأرض ؛ لأنه إنما خلق لخلافة الأرض ؛ لقوله تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] . الرابع : أراد الحق إظهار القدرة ، فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام ، وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام ، وأعطاهم كمال الشدة والقوة ، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام ، ثم أعطاهم المعرفة والنور والهداية ، وخلق السماوات من أمواج مياه البحر ، وأبقاها معلّقة في الهواء ، حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهانا باهرا ، ودليلا ظاهرا على أنه - تعالى - هو المدبر بغير احتياج .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : مخلوق .