تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
بينهما فرق [ كبير ] « 1 » - بعد أن يجتمعا في وصف واحد » . وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم ، فقال لهم : لم تعبدون عيسى ؟ قالوا : لأنه لا أب له . قال : فآدم أولى ؛ لأنه لا أبوين له ، قالوا : فإنه كان يحيي الموتى ؟ قال : فحزقيل أولى ؛ لأن عيسى أحيى أربعة نفر ، وحزقيل أحيى ثمانية آلاف ، قالوا : فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى ؛ لأنه طبخ ، وأحرق ، وخرج سالما . قوله :
كُنْ فَيَكُونُ
اختلفوا في المقول له : كن ، فالأكثرون على أنه آدم - عليه السلام - وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية ؛ لأنه إنما يقول له : كن قبل أن يخلقه لا بعده ، وهاهنا يقول :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ .
والجواب : أن اللّه - تعالى - أخبرنا - أولا - أنه خلق آدم من غير ذكر ، ولا أنثى ، ثم ابتدأ أمرا آخر - يريد أن يخبرنا به - فقال : إني مخبركم - أيضا بعد خبري الأول - أني قلت له : كن فكان ، فجاء « ثمّ » لمعنى الخبر الذي تقدم ، والخبر الذي تأخر في الذكر ؛ لأنّ الخلق تقدم على قوله : « كن » . وهذا كما تقول : أخبرك أنّي أعطيك اليوم ألفا ثم أخبرك أني أعطيتك أمس ألفا ، ف « أمس » متقدم على « اليوم » وإنما جاء ب « ثمّ » ؛ لأنّ خبر « اليوم » متقدّم خبر « أمس » ؛ حيث جاء خبر « أمس » بعد مضيّ خبر « اليوم » ومثله قوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
[ النساء : 1 ] - وقد خلقنا بعد خلق زوجها ، ولكن هذا على الخبر دون الخلق ؛ لأنّ التأويل : أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة - ؛ لأن حواء قد خلقت من ضلعه ثم أخبركم أني خلقت زوجها منها . ومثل هذا قول الشاعر : [ الخفيف ]
1490 - إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه * ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه « 2 »
ومعلوم أن الأب متقدّم له ، والجدّ متقدم للأب ، فالترتيب يعود إلى الخبر لا إلى الوجود ، كقوله :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 17 ] فكذا قوله :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
أي : صيّره خلقا سويّا ، ثم إني أخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له : كن . فالتراخي في الخبر ، لا في هذا المخبر عن ذلك المخبر . ويجوز أن يكون المراد أنّه خلقه قالبا من تراب ، ثم قال له : كن بشرا .
هامش
( 1 ) في أ : ما . ( 2 ) البيت لأبي نواس ينظر ديوانه 1 / 355 ، وخزانة الأدب 11 / 33 ، 40 ، 41 والدرر 6 / 93 ، والجنى الداني ص 428 ، وجواهر الأدب ص 364 ، ورصف المباني ص 174 ، ومغني اللبيب 1 / 117 والدر المصون 1 / 119 .