تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
قال القرطبي : وأصل المكر في اللغة : الاحتيال والخداع ، والمكر : خدالة الساق ، والمكر : ضرب من النبات ويقال : بل هو المغرة ، حكاه ابن فارس ، قالوا : واشتقاقه من المكر ، وهو شجر ملقف ، تخيلوا منه أن المكر يلتفّ بالممكور به ويشتمل عليه ، وامرأة ممكورة الخلق ، أي : ملتفة الجسم ، وكذا ممكورة البطن . ثم أطلق المكر على الخبث والخداع ، ولذلك عبر عنه بعض أهل اللغة بأنه السعي بالفساد ، قال الزّجّاج هو من مكر الليل وأمكر أي أظلم ، وعبر بعضهم عنه فقال هو صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان : محمود ، وهو أن يتحرّى به فعل جميل ، وعلى ذلك قوله :
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ .
ومذموم ، وهو أن يتحرّى به فعل قبيح ، نحو :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[ فاطر : 43 ] .

[ فصل في مكرهم بعيسى ]

فصل أمّا مكرهم بعيسى - عليه السلام - فهو أن عيسى لما خرج عن قومه - هو وأمه - عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة ، فهمّوا بقتله ، فذلك مكرهم به . وأما مكر اللّه بهم ففيه وجوه : أحدها : أن مكر اللّه استدراج العبد ، وأخذه بغتة من حيث لا يعلم ، كما قال
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ القلم : 44 ] . وقال الزّجّاج : « مكر اللّه » مجازاتهم على مكرهم ، فسمّى الجزاء باسم الابتداء ؛ لأنه في مقابلته ، كقوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] وقوله :
وَهُوَ خادِعُهُمْ .
ومكر اللّه - تعالى - خاصة بهم في هذه الآية هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء وذلك أن اليهود أرادوا قتل عيسى ، وكان جبريل لا يفارقه ساعة واحدة ، وهو معنى قوله :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[ البقرة : 87 ] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة ، فلما دخلوا أخرجه جبريل من تلك الروزنة ، وكان قد ألقي شبهه على غيره ، فأخذ ، وصلب ، فتفرّق الحاضرون ثلاث فرق : فرقة قالوا : كان اللّه فينا فذهب . والأخرى قالت : ابن اللّه . والثالثة قالت : كان عبد اللّه ورسوله فأكرمه بأن رفعه إلى السماء فصار لكل فرقة جمع ، وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنة إلى أن بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم . الثاني : أن الحواريين كانوا اثني عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت ، فنافق واحد منهم ، ودل اليهود عليه فألقى اللّه شبهه عليه ، ورفع عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان منهم وقتلوه ، وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام ، ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن عيسى صاحبنا ، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ فوقع بينهم قتال عظيم ، حتى قتل بعضهم ، فذلك هو مكر اللّه بهم . الثالث : قال محمد بن إسحاق : إن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه