تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
فالجواب : أن الغرض منه إفهام العباد كمال علمه ، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السماوات والأرض أقوى ؛ لأن الحس يرى عظمة السماوات والأرض ، فيعين العقل على معرفة عظمة علم اللّه تعالى ، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم ، والإدراك أكمل ، ولذلك فإن « 1 » المعاني الدقيقة إذا أريد إيضاحها ذكر لها مثال ؛ فإن المثال يعين على الفهم . قوله :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ
تحتمل هذه الجملة أن تكون مستأنفة سيقت لمجرد الإخبار بذلك ، وأن تكون في محل رفع خبرا ثانيا لإنّ . قوله :
فِي الْأَرْحامِ
يجوز أن يتعلق ب « يصوّركم » وهو الظاهر ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول « يصوّركم » أي : يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ . وقرأ طاوس « 2 » : تصوّركم - فعلا ماضيا - ومعناه : صوركم لنفسه ، ولتعبدوه ، وتفعّل يأتي بمعنى فعّل ، كقولهم : تأثلث مالا ، وأثّلته ، أي : جعلته أثلة أي : أصلا ، والتصوير : تفعيل من صاره ، يصوره ، أي : أماله وثناه ، ومعنى صوره : جعل له صورة مائلة إلى شكل أبويه . والصورة : الهيئة يكون عليها الشيء من تأليف خاص ، وتركيب منضبط ، قاله الواحدي وغيره . والأرحام : جمع رحم ، وأصلها الرحمة ، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة ، والعطف ، فلهذا سمّي العضو رحما . قوله :
كَيْفَ يَشاءُ
فيه أوجه : أظهرها : أنّ « كيف » للجزاء ، وقد جوزي بها في لسانهم في قولهم : كيف تصنع أصنع ، وكيف تكون أكون ، إلا أنه لا يجزم بهما ، وجوابها محذوف ؛ لدلالة ما قبلها عليه ، وكذلك مفعول « يشاء » لما تقدم أنه لا يذكر إلا لغرابة والتقدير : كيف يشاء تصويركم يصوركم ، فحذف تصويركم ؛ لأنه مفعول « يشاء » ويصوركم ؛ لدلالة « يصوّركم » الأول عليه ، ونظيره قولهم : أنت ظالم إن فعلت ، تقديره : أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم . وعند من يجيز تقديم الجزاء في الشرط الصريح يجعل « يصوّركم » المتقدم هو الجزاء ، و « كيف » منصوب على الحال بالفعل بعده ، والمعنى : على أي حال شاء أن يصوركم صوركم ، وتقدم الكلام على ذلك في قوله «
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
» « 3 » ولا جائز أن
هامش
( 1 ) في أ : كان . ( 2 ) ينظر : الكشاف 1 / 336 ، والبحر المحيط 2 / 395 ، والدر المصون 2 / 12 . ( 3 ) سورة البقرة آية ( 28 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 26 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب