تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
قلت : هو بيان لما في قوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
من التعظيم للموضوع ، والرفع منه ، ومعناه : ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها ، والألف واللام فيهما يحتمل أن تكون للعهد وأن تكون للجنس ، على أن المراد : أن الذكر ليس كالأنثى في الفضل والمزية ؛ إذ هو صالح لخدمة المتعبدات والتحرير ولمخالطة الأجانب ، بخلاف الأنثى ؛ لما يعتريها من الحيض ، وعوارض النسوان . وكان سياق الكلام - على هذا - يقتضي أن يدحل النفي على ما استقر ، وحصل عندها ، وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المقصود منه ، فكان التركيب : وليس الأنثى كالذكر ، وإنما عدل عن ذلك ؛ لأنها بدأت بالأهم لما كانت تريده ، وهو المتلجلج في صدرها ، والحائل في نفسها ، فلم يجر لسانها في ابتداء النطق إلا به ، فصار التقدير : وليس جنس الذكر مثل جنس الأنثى ، لما بينهما من التفاوت فيما ذكر ، ولولا هذه المعاني التي استنبطها العلماء ، وفهموها عن اللّه - تعالى - لم يكن لمجرد الإخبار بالجملة الليسية معنى ؛ إذ كلّ أحد يعلم أن الذكر ليس كالأنثى . وقوله :
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ
هذه الجملة معطوفة على قوله :
إِنِّي وَضَعْتُها
على قراءة من ضمّ التاء في قوله وضعت فتكون هي وما قبلها في محل نصب بالقول ، والتقدير : قالت : إني وضعتها ، وقالت : واللّه أعلم بما وضعت ، وقالت : وليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إنّي سمّيتها مريم . وأما على قراءة من سكن التاء أو كسرها فتكون
وَإِنِّي سَمَّيْتُها
أيضا معطوفا على
إِنِّي وَضَعْتُها
ويكون قد فصل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض ، كقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
[ الواقعة : 76 ] قاله الزمخشريّ . قال أبو حيّان « 1 » : « ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان ؛ لأنه يحتمل أن يكون :
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
من كلامها في هذه القراءة » ويكون المعترض جملة واحدة - كما كان من كلامها في قراءة من قرأ « وضعت » بضم التاء - بل ينبغي أن يكون هذا المتعيّن ؛ لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة ، ولأن في اعتراض جملتين خلافا لمذهب أبي علي الفارسي من أنه لا يعترض جملتان . وأيضا تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما - على زعمه - بين المعطوف والمعطوف عليه ، بقوله :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
[ الواقعة : 76 ] ليس تشبيها مطابقا للآية ؛ لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب ، بل اعترض بين القسم - الذي هو
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
[ الواقعة : 75 ] - وبين جوابه - الذي هو
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
- بجملة واحدة - وهي قوله :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
- لكنه جاء في جملة
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 458 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 175 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب